الشيخ أحمد فريد المزيدي
226
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
ومعناه : أن يستغني بعلم اللّه في عمله عن علم غيره ، وإذا استغنى القلب بعلم اللّه أخلص العمل فيه ، ولم يعرج على من دونه ، فإذا علم جلّ ذكره بصدق قصد العبد إليه وحده ، وسقط عن ذكر من دونه ، وأثبت ذلك العمل في أعمال الخالصين الصالحين المؤثرين للّه على من سواه ، وجازاه اللّه بعلمه بصدقه من الثواب سبعين ضعفا على ما عمل من لا يحل محله ، واللّه أعلم « 1 » . قال الجنيد : صفاء القلوب على حسب صفاء الذكر وخلوصه من الشوائب « 2 » . قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 24 ] قيل : أي إذا نسيت الكون بأسره حتى نفسك ، فإن الذكر لا يصفو إلا حينئذ ، وقيل : إذا نسيت الذكر ، ومن هنا قال الجنيد قدّس سرّه : حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر « 3 » . وقال قدّس سرّه في قوله تعالى : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً [ الكهف : 24 ] إن فوق الذكر منزلة هي أقرب منزلة من الذكر ، وهي تشديد النعوت بذكره سبحانه لك قبل أن تذكره جلّ وعلا « 4 » . وقد وقع للجنيد أن الإمام أحمد بن سريج قال له : إن رفع أصواتكم بالذكر يؤذي حلقتنا في العلم ، فقال له : ينبغي مراعاة أقرب الطريقين إلى اللّه تعالى . فقال ابن سريج : فإذا وجب مراعاة طريقتنا لأنها أقرب إلى اللّه تعالى من طريقكم ، فقال الجنيد : وما علامة القرب ؟ قال ابن سريج : أن يكون الغالب عليه شهود الحق . فقال الجنيد : هذا عليكم لا لكم ؛ لأن الغالب عليكم إنما هو شهود أحكام دين اللّه ، لا اللّه . فقال ابن سريج : نريد حالة يقع الامتحان بها . فقال الجنيد : يا فلان ، خذ هذا الحجر وألقه في حضرة هؤلاء الفقراء . فألقاه ، فصاحوا كلهم : اللّه . ثم قال له : خذ هذا الحجر وألقه بين هؤلاء الذين
--> ( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 264 ) . ( 2 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 573 ) . ( 3 ) انظر : روح المعاني ( 15 / 261 ) . ( 4 ) انظر : روح المعاني ( 21 / 15 ) .