الشيخ أحمد فريد المزيدي
225
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وقال : حكي أن شابّا كان يصحب الجنيد ، فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ، فقال له الجنيد يوما : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني . فكان بعد ذلك يضبط نفسه ، حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ، ولا يزعق . فحكى أبو عمرو الزجاجي أنه اختنق يوما لشدة ضبطه لنفسه ، فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت نفسه « 1 » . سأل جعفر الخلدي الجنيد قائلا : ما تقول أكرمك اللّه في الذكر الخفي ، ما هو الذي لا تعلمه الحفظة ؟ ومن أين زاد عمل السر على عمل العلانية سبعين ضعفا ؟ فأجابه الجنيد ، فقال : وفّقنا اللّه وإيّاكم لأرشد الأمور وأقربها إليه ، واستعملنا وإيّاكم بأرضى الأمور وأحبها إليه ، وختم لنا ولكم بخير ، فأما الذكر الذي يستأثر اللّه بعلمه دون غيره فهو ما اعتقدته القلوب ، وطويت عليه الضمائر مما لا تحرّك به الألسنة والجوارح ، وهو مثل الهيبة للّه ، والتعظيم للّه ، والإجلال للّه ، واعتقاد الخوف من اللّه ، وذلك كله فيما بين العبد وربّه ، لا يعلمه إلا من يعلم الغيب ، والدليل على ذلك قوله عز وجلّ : يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ [ القصص : 69 ] ، وأشباه ذلك ، وهذه أشياء امتدح اللّه بها ، فهي له وحده جلّ ثناؤه . وأما ما تعلمه الحفظة فما وكلت به ، وهو قوله : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] ، وقوله : كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [ الانفطار : 11 ، 12 ] ، فهذا الذي وكّل به الملائكة الحافظون ما لفظ به وبدا من لسانه ، وما يعلنون ويفعلون هو ما ظهر به السعي ، وما أضمرته القلوب مما لم يظهر على الجوارح ، وما تعتقده القلوب فذلك يعلمه جلّ ثناؤه ، وكل أعمال القلوب ما عقد لا يجاوز الضمير فهو مثل ذلك ، واللّه أعلم . وما روي في الخبر من فضل عمل السر على عمل العلانية ، وأن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا ، فذلك واللّه أعلم لأن من عمل للّه عملا فأسرّه فقد أحبّ أن ينفرد اللّه عز وجلّ بعلم ذلك العمل منه .
--> ( 1 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 358 ) ، والإحياء ( 2 / 302 ) ، والرسالة ( 2 / 651 ) ، والعوارف ( ص 119 ) ، وروض الرياحين ( ص 180 ) ، ونشر المحاسن ( ص 330 ) ، وروضة الحبور ( ص 113 ) .