الشيخ أحمد فريد المزيدي

216

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال الجنيد : ليس من طلب اللّه يبذل المجهود ، كمن طلبه من طريق الجود ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلّم لمن سأله أن يشفع له وأن يكون معه في الجنة : « أعني على نفسك بكثرة السجود « 1 » » . قال الجنيد : لو طالبنا اللّه بحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا . فقيل لإبراهيم بن شيبان : ما كان حاله ؟ قال : أقام سنين ما فاته الحق بين الخرزتين « 2 » . قال الإمام الجنيد : آثرك اللّه يا أخي بالاصطفاء ، وجمعك بالاحتواء ، وخصّك بعلم أهل النّهى ، وأطلعك من المعرفة على ما هو أولى ، وتمّم لك ما تريد منك له ، ثم أخلاك منك له ، ومنه له به ، ليفردك في تقلّبه بما يشهدك ، من حيث لا يلحقك شاهد من الشواهد يخرجك . فذلك أوّل الأول الذي محا به رسوم ما ترادف مما غيّبته به عنك ، بعلوّ ما استأثر به منه له ، ثم أفردك منك بك ، في أوّل تفريد التجريد ، وحقيقة كائن التفريد ، فكذلك إذا انفرد بذلك أباد ، وأفنى الإبادة ما سلف من الحقّ من الشاهد بعد إفناء محاضر الخلق ، فعند ذلك يقع حقيقة الحقيقة من الحق للحق ، ومن ذلك ما جرى بحقيقة علم الانتهاء إلى علم التوحيد على علم تفريد التجريد ، فقد عزره اللّه وحجبه عن كثير ممن ينتحله ويدّعيه ويتحقّقه ويصطفيه « 3 » . قال الجنيد : أكرمك بطاعته ، وخصّك بولايته ، وجللك بستره ، ووفّقك لسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ،

--> - فخرج من هذا أن أهل الغربة الذين هم منهم مفاتيح الكنوز الأربعة ، والذين هم من الأفراد ، ومن أهل القربة والختم الذي هو منهم أيضا ، من ذوي الخلافة العظمى فهو بين الصديقية والنبوة والختم أعني به الختم المحمدي الأكبر أعلى الجميع مقاما وأرفعهم رتبة وأعز مراما ، لأنه الواسطة بين النبوة والولاية والحائز لكل ما عند الأولياء من الكمالات والعناية والفيوضات التي تفيض من ذاته صلى اللّه عليه وسلّم تتلقاها ذوات الأنبياء والصحابة وكل ما فاض وبرز من ذواتهم تتلقاه ذات هذا الختم ومنه يتفرق على جميع الأولياء من لدن آدم إلى النفخ في الصور وخص هو مرتبتهم بعلوم لا يعلمها إلا اللّه عز وجل وهو أعظم مظاهره صلى اللّه عليه وسلّم من البشر بعد الأنبياء والصحابة . انظر : جلاء القلوب ( 2 / 111 ) بتحقيقنا ، والطبقات الكبرى للشعراني ( 2 / 15 ) . ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 351 ) . ( 2 ) انظر : تفسير القرطبي ( 13 / 421 ) ، وتاريخ بغداد ( 4 / 246 ) ، وفيض القدير ( 2 / 8 ) . ( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 313 ) .