الشيخ أحمد فريد المزيدي
20
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وبقي عشرة ، فقلت لهم : لا الدنيا أردتم ولا الآخرة رغبتم ولا من البلاء هربتم ، فماذا تريدون ؟ قالوا : إنك لتعلم ما نريد ، فقال : إني أنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقون ولا تحمله الجبال الرواسي فتثبتون لذلك ، فقالوا : أليس أنت الفاعل بنا قد رضينا ، بك نحمل وفيك نحمل ما لا تطيقه الجبال ، فقال لهم : أنتم عبيدي حقا رضي اللّه عنهم ونفعنا بهم . وقال ابن مسروق : سمعت سريا يقول : بينما نحن نسير في بلاد الشام إذ ملنا عن الطريق إلى ناحية جبل عليه عابد فجئنا إليه فوجدناه يبكي ، قال سري : فقلت له : ما أبكى العابد ؟ فقال : وما لي لا أبكي وقد توعرت الطرق ، وقل السالكون فيها ، وهجرت الأعالي ، وقل الراغبون فيها ورفض الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال ، وقد افترش الرخص وتمهد التأويل واعتل بذلك العاصون ، ثم صاح صيحة ، وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا وانقطعت عن روح ملكوت السماوات ؟ ثم ولى صارخا وهو يقول : واغمّاه من فتنة العلماء ، واكرباه من حيرة الأدلاء ، وجال جولة ثم قال : أين الأبرار من العباد ، بل أين الأخيار من الزهاد ؟ ثم بكى ، وقال : شغلهم واللّه طول الوقوف ، وهمّ الجواب عن ذكر الجنة والنار وذكر الثواب ، ثم قال : أنا استغفر اللّه من شهوة الكلام . تنحّوا عني ، فخليناه وهو يبكي وقد ملئنا منه هما وغما . وقال الجنيد : سمعت سريا يقول : بدوت يوما من الأيام وأنا حدث فطاب وقتي وجن علي الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به فناداني في جوف الليل مناد : لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب . قال : فتعجبت ، وقلت : أجنّي يناديني أو إنسي ؟ فقال : بل جني مؤمن باللّه ومعي إخواني ، قلت : فهل عندهم ما عندك ؟ قال : نعم وزيادة . قال : فناداني الثاني منهم : لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الغربة . قال : فقلت في نفسي : ما أبلغ كلامهم ، فناداني الثالث منهم : من أنس به في الظلام نشر له غدا الأعلام . قال : فصعقت ، فما أفقت إلا برائحة الطيب ، فإذا أترجة على صدري فشممتها ، فأفقت فقلت : وصية رحمكم اللّه ! فقالوا جميعا : أبى اللّه إلا أن تحيا به قلوب المتقين ، فمن