الشيخ أحمد فريد المزيدي
160
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
خدمته فقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، فألزمهم دوام عبادته ، وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية ، وفي الأخرى جزيل الثواب ، قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الحج : 77 ] ، وهذه كلها تلزم كل الخلق ، ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ألا يعلم أنه قال : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] : يعنى شأن الخلق ، وأنت أيها الواقف أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم أم ترى شأنك مرضيّا عنده ؟ ! ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه ، وخروجها من قلبه ، فإذا انقضت الدنيا وجاء أهلها وانصرفت عن القلب خلا بمسامرة رؤية التصرف ، واختلاف الأحكام ، وتفصيل الأقسام ، ولن يرجع قلب من هذا وصفه إلى شيء من الانتفاع بما في هذه التي عنها خرج ، ولها ترك ، ومنها هرب ، ألا ترى إلى حارثة حين يقول : عزفت نفسي عن الدنيا ، وكأني أنظر إلى عرش ربّي بارزا ، وكأني بأهل الجنة يتزاورون ، وكأني وكأني ، وهذه بعض أحوال القوم « 1 » . في قوله عز وجلّ : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [ الأنبياء : 51 ] سئل الجنيد متى آتاه ذلك ؟ فقال : حين لا متى « 2 » . باب في الحيرة قال الجنيد : كتب إليّ بعض إخواني من عقلاء أهل خراسان : اعلم يا أخي يا أبا القاسم أن عقول العقلاء إذا تناهت تناهت إلى حيرة « 3 » .
--> ( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 271 ) . ( 2 ) قيل : ذلك الرشد إيثار الحق جل شأنه على ما سواه سبحانه . وانظر : روح المعاني ( 17 / 108 ) . ( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 267 ) ، والشفا لعياض ( 2 / 97 ) ، وقال الشيخ الكتاني : وقالوا أيضا وهو من كلام الجنيد حسب ما في « العوارف » : إذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة ، ولذا ورد في الحديث : « اللّهمّ زدني فيك تحيرا » . وانظر : جلاء القلوب ( 1 / 291 ) .