الشيخ أحمد فريد المزيدي

161

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وقال الجنيد : قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] قال عياض : قال الجنيد : المعنى وجدك متحيّرا في بيان ما أنزل اللّه إليك فهداك لبيانه ، لقوله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [ النحل : 44 ] الآية « 1 » . باب الحكمة سئل الجنيد عمّا تنهى الحكمة ؟ فقال : الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر منه ، وعن كل ما إذا غاب علمه عن غيرك أحشمك ذكره في نفسك . فقال له السائل : فبم تأمر الحكمة ؟ قال : تأمر الحكمة بكل ما يحمد في الباقي أثره ، ويطيب عند جملة الناس خبره ، ويؤمن في العواقب ضرره . قال السائل : فمن يستحق أن يوصف بالحكمة ؟ قال الجنيد : من إذا قال بلغ المدى والغاية فيما يتعرض لنعته بقليل القول ، ويسير الإشارة ، ومن لا يتعذر عليه من ذلك شيء مما يريد ؛ لأن ذلك عنده حاضر عتيد . قال السائل : فبمن تأنس الحكمة ، وإلى من تستريح وتأوي ؟ قال الجنيد : إلى من انحسمت عن الكل مطامعه ، وانقطعت من الفضل في الحاجات مطالبه ، ومن اجتمعت همومه وحركاته في ذات ربّه ، ومن عادت منافعه على سائر أهل دهره « 2 » . باب العلم قال الجنيد : متى أردت أن تشرف بالعلم وتنسب إليه وتكون من أهله قبل أن تعطي العلم ما له عليك احتجب عنك نوره ، وبقي عليك وسمه وظهوره ، ذلك العلم عليك لا لك ، وذلك أن العلم يشير إلى استعمالهن وإذا لم يستعمل في مراتبه رحلت بركاته « 3 » . ويقول الجنيد : إن للعلم ثمنا فلا تعطوه حتى تأخذوا ثمنه . قيل له : وما ثمنه ؟ قال : وضعه عند من يحسن حمله ولا يضيعه « 4 » . في قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] قال الجنيد قدّس سرّه : الرضا على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة « 5 » .

--> ( 1 ) انظر : تفسير الثعالبي ( 4 / 423 ) ، وجلاء القلوب للكتاني ( 1 / 152 ) ، بتحقيقنا . ( 2 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 261 ) . ( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 269 ) . ( 4 ) انظر : طبقات الشعراني ( 1 / 86 ) . ( 5 ) انظر : محاسن الأخبار في فضل الصلاة على النبي المختار للإبشيهي ( 2 / 88 ) ، بتحقيقنا .