الشيخ أحمد فريد المزيدي

159

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

معرفتها ، وموطن يستحضر عقله برؤيته مجاري التدبير عليه كيف تقلب فيه الأحكام في آناء الليل وأطراف النهار ؟ ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير إلا بإحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين . فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله أمزاد هو أم منتقص ؟ فعليه أن يطلب مواضع الخلوة ؛ لكي لا يعارضه مشغل ، فيفسد ما يريد إصلاحه ، ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض الذي لا يزكو حال قربه إلا بإتمام الواجب من الفرائض ، ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي سيده ، يريد أن يؤدي إليه ما أمر بتأديته ، فحينئذ تكشف له خفايا النفوس الموارية ، فيعلم أهو ممن أدى ما وجب عليه أم لم يؤد ، ثم لا يبرح من مقامه ذلك حتى يوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم ، فإن رأى خللا أقام على إصلاحه ولم يجاوزه إلى عمل سواه ، وهذه أحوال أهل الصدق في هذا المحل ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [ آل عمران : 13 ] . وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه ويتقصى فيه حال معرفتها فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك وأراد المناصحة في المعاملة ؛ فإن النفوس ربما خبت فيها منها أشياء ، لا يقف على حدّ ذلك إلا من تصفّح ما هنالك في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف ؛ فإن النفس إذا ألفت فعل الخير صار خلقا من أخلاقها ، وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له ، وترى أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل ، ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له السبيل على مجاري الدم فيها ، فيرى هو بكيده خفي علتها الأصل غفلتها ، فيختلس منها بمسألة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال ، فإن تألم لوكزته منه وعرف طعنته أسرع بالإنابة الأصل بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به ، فاستقصى من نفسه علم الحال التي منها وصل عدوه إليه ، فحرسها بلياذة اللجاء ، وإلقاء الكنف ، وشدة الافتقار ، وطلب الاعتصام ، كما قال النبي ابن النبي ابن النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [ يوسف : 33 ] ، وعلم يوسف عليه السلام أن كيد الأعداء مع قوة الهوى لا ينصرف بقوة النفس : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [ يوسف : 34 ] . وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله لرؤية مجاري الأحكام وكيف يقلبه التدبير فهو أفضل الأماكن وأعلى المواطن ؛ فإن اللّه أمر جميع خلقه أن يواصلوا عبادته ولا يسأموا