الشيخ أحمد فريد المزيدي

147

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

المحادثة قال الجنيد : لي أربعون سنة وأنا أحدّث الحق والناس يرون أنّي أحدث الخلق « 1 » . التمكين قال أبو عمرو بن علوان : سمعت الجنيد قدّس اللّه سرّه ليلة من الليالي وهو يقول في مناجاته : إلهي ، أتريد أن تخدعني عنك بقربك ، أو تريد أن تقطعني عنك بوصلك هيهات ! هيهات ! سئل أبو عمرو : ما معنى قوله هيهات هيهات ؟ قال : التمكين « 2 » .

--> - في كتاب ألّفه في طريق الصوفية سماه : « التقريب » ، وكذلك بلغنا عن الغزالي قبل اجتماعه بشيخه البازغاني رحمه اللّه . وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : غاية حضور العالم في الصلاة أن يتدبّر فيما يقرأه ويلقي باله لمخارج الحروف واستنباط الأحكام ، وهذه كلها أمور مفرقة عن الحضور مع اللّه تعالى ، فإن من الآيات ما يذهب به إلى الجنة ، فيشاهد ما فيها ، ومنها ما يذهب به إلى النار فيشاهد ما فيها ، ومنها ما يذهب به إلى قصة آدم ونوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فكيف الحضور مع اللّه تعالى ؟ ! وليس في قدرة النفس أن تشتغل بشيئين معا في آن واحد ، ومن هنا قال مالك رحمه اللّه : إن إرخاء اليدين في الصلاة أولى للضعيف من وضعهما تحت صدره آخذا بيمينه يساره ؛ لأن مراعاتها تشوش على العبد ، وتمنعه من كمال الإقبال على مخاطبة اللّه عز وجلّ ومناجاته ، ولا شكّ أن مراعاة أدب الخطاب مع الحق أولى من مراعاة وضع اليدين تحت الصدر . فاعلم أن وضع اليدين تحت الصدر لا يؤمر به إلا من لم تشغله مراعاته عن كمال خطاب اللّه عز وجلّ من الأكابر الذين ثبّتهم اللّه تعالى ، أما الأصاغر فربما ذهلوا عن عدد ما صلوا من الركعات وما قالوه من التسبيحات ؛ لأنها حضرة تذهل العقول كما يعرف ذلك أهل اللّه تعالى ، ولولا أن اللّه تعالى يلطف بهم لما عرف أحد منهم عدد ما صلى ، واللّه تعالى أعلم . وانظر : العهود المحمدية ( ص 293 ) . ( 1 ) قال الشيخ ابن عجيبة : وأما المحادثة : فهي المكالمة القلبية ، وهي الفكرة والجولان في عظمة الجبروت ، فأنت تحادثه في سرك بمناجاته وسؤاله ، وهو يحادثه بمزيد إحسانه ونواله ، أنت تحادثه بدوام حضوره قي سرّك ولبّك ، وهو يحادثك بإلقاء العلوم والأسرار والحكم في قلبك ، أنت تحادثه في عالم الشهادة ، وهو يحادثه في عالم الغيب ، وفي التحقيق ما ثم إلا عالم الغيب ظهر في عالم الشهادة . وانظر : إيقاظ الهمم ( ص 26 ) . ( 2 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 178 ) .