الشيخ أحمد فريد المزيدي
148
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
القرب والبعد قال الجنيد : إن اللّه تعالى يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه ، فانظر ماذا يقرب من قلبك « 1 » . سئل الجنيد عن قرب اللّه تعالى ؟ فقال : بعيد بلا افتراق ، قريب بلا التزاق « 2 » . وقال رجل للجنيد : علّمني شيئا يقرّبني إلى اللّه وإلى الناس . فقال : أمّا الذي يقرّبك إلى اللّه فمسألته ، وأما الثاني فترك مسألتهم « 3 » . زار الجريري الجنيد ، فوجده ، فأطال ، فلامه ، فقال الجنيد : طريق عرفنا بها ربنا لا نقتصر على بعضها ؛ فالنفس ما حملتها تتحمل ، والصلاة صلة ، والسجود قربة ، ومن ترك طريق القرب أوشك أن يسلك طريق البعد « 4 » . قال تعالى : وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 87 ] قال الجنيد قدّس سرّه : أي أخلصناهم وآويناهم لحضرتنا ، ودللناهم للاكتفاء بنا عمّا سوانا . ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ الأنعام : 88 ] ، وهم أهل السابقة الذين سألوه سبحانه الهداية بلسان الاستعداد الأزلي ، ولو أشركوا بالميل إلى السوى وهو شرك الكاملين « 5 » . الحجاب قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حجاب قلوب الخاصة المختصة برؤية النعم ، والتلذذ بالعطاء ، والسكون إلى الكرامات « 6 » . قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : اللّهمّ مهما عذّبتني بشيء فلا تعذبني بذلّ الحجاب « 7 » .
--> ( 1 ) انظر : اللمع ( ص 85 ) . ( 2 ) انظر : طبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 267 ) ، والكبرى للشعراني ( 1 / 85 ) . ( 3 ) انظر : طبقات ابن الملقن ( ص 128 ) . ( 4 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 579 ) . ( 5 ) انظر : روح المعاني ( 7 / 256 ) وهذا من باب الإشارة في الآيات . ( 6 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 400 ) . ( 7 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 67 ) ، وروضة الحبور ( ص 126 ) . -