الشيخ أحمد فريد المزيدي

141

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

أطير بليس في التضييع ، حتى ضعت في الضياع ضياعا ، وضعت فضعت عن التضييع بليس في ليس في ضياعة التضييع ، ثم أشرقت على التوحيد في غيبوبة الخلق عن العارف ، وغيبوبة العارف عن الخلق . قال الجنيد : هذا كله وما جانسه داخل في علم الشواهد على الغيبة عن استدراك الشاهد ، وفيها معان من الفناء بتغيب الفناء عن الفناء ، ومعنى قوله : ( أشرفت على ميدان الليسية حتى صرت من ليس في ليس بليس ) فذاك أول النزول في حقيقة الفناء ، والذهاب عن كل ما يرى وما لا يرى ، وفي أول وقوع الفناء انطماس آثارها ، وقوله : ( ليس بليس ) وهو ذهاب ذلك كله عنه ، وذهابه عن ذهابه ، ومعنى ( ليس بليس ) : أي ليس شيء يحس ولا يوجد قد طمس على الرسوم ، وقطعت الأسماء ، وغابت المحاضر ، وبلغت الأشياء عن المشاهدة ، فليس شيء يوجد ، ولا يحس بشيء يفقد ، ولا اسم لشيء يعهد ، ذهب ذلك كله بكل الذهاب عنه ، وهو الذي يسميه قوم الفناء ، ثم غاب الفناء في الفناء ، فضاع في فنائه ، فهو التضييع الذي كان في ليس به ، وبه في ليس ، وذلك حقيقة فقد كل شيء ، وفقد النفس بعد ذلك ، وفقد في الفقد ، والارتماس في الانطماس ، والذهاب عن الذهاب ، وهذا شيء ليس له أمد ولا وقت يعهد . وقال الجنيد : ذكره لعشر سنين هو وقته ، ولا معنى ؛ لأن الأوقات في هذا الحال غائبة ، وإذا مضى الوقت وغاب بمعناه عمّن غيب عنه فعشر سنين ومائة وأكثر من ذلك كله في معنى واحد « 1 » . قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] قال الجنيد قدّس سرّه : من كانت حياته بروحه يكون مماته بذهابها ، ومن كانت حياته بربّه تعالى فإنه ينقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل ، وهي الحياة على الحقيقة « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 469 ) . ( 2 ) انظر : روح المعاني ( 17 / 56 ) .