الشيخ أحمد فريد المزيدي

142

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وأنشد الجنيد « 1 » : وجودي أن أغيب عن الوجود * بما يبدو عليّ من الشهود قال قدّس سرّه : اعلم أنك محجوب عنك بك ، وأنك لا تصل إليه بك ، ولكنك تصل إليه به ؛ لأنه لما أبدى إليك رؤية الاتصال به ، دعاك إلى طلب له فطلبته ، فكنت في رؤية الطلب برؤية الطلب والاجتهاد لاستدراك ما تريده بطلبك ، كنت محجوبا ، حتى يرجع الافتقار إليه في الطلب ، فيكون ركنك وعمادك في الطلب بشدة الطلب ، وأداء حقوق ما انتخب لك من علم الطلب ، والقيام بشروط ما اشترط عليك فيه ، ورعاية ما استرعاك فيه لنفسك ، حماك عنك ، فيوصلك بفنائك إلى بقائك لوصولك إلى بغيتك ، فيبقى ببقائه ، وذلك أن توحيد الموحّد باق ببقاء الواحد ، وإن فني الموحّد فحينئذ أنت أنت ؛ إذ كنت بلا أنت ، فبقيت من حيث فنيت ، والفناء ثلاثة : فناء عن الصفات والأخلاق والطباع ، بقيامك بدلائل عملك ، ببذل المجهود ومخالفة النفس ، وحبسها بالمكروه عن مرادها ، والفناء الثاني : فناؤك عن مطالعة حظوظ من ذوق الحلاوات واللذات في الطاعات ، لموافقة مطالبة الحق لك ، لانقطاعك إليه ، لتكون بلا واسطة بينك وبينه ، والفناء الثالث : فناؤك عن رؤية الحقيقة من مواجيدك بغلبات شاهد الحق عليك ، فأنت حينئذ فان باق ، وموجود محقق لفنائك ، بوجود غيرك عند بقاء رسمك بذهاب اسمك « 2 » . قال قدّس سرّه : اعلم أن دليل الخلق برؤية الصدق وبذل المجهود لإقامة حدود الأحوال بالتنقّل فيها ، لتؤدّيه حال إلى حال ، حتى يؤديه إلى حقيقة العبودية في الظاهر ، بترك الاختيار والرضا بفعله ؛ وهذه مواضع قبول الخلق لدلائل صفات علم الظاهر عليه ، واجتماع صفته ، ثم تؤديه حقيقته إلى مشاهدة الحق وإدراك إشارته إليه ، بتلوين الأمور لاختيار اختياره له ؛ وهذه مواضع ذهاب الخلق عنه ، لتلوين صفاته فيهم ، ومواضع تغييبه عنهم ، وهذا مقام الاصطناع ، قال اللّه عز وجلّ لموسى عليه السلام : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [ طه : 41 ] ، فمن أين وإلى أين ؟ فمنه وإليه ، وله وبه فني ، وفني فناؤه ، لبقاء بقائه بحقيقة

--> ( 1 ) وعقب الشيخ ابن عجيبة بقوله : فالفناء عن النفس وزوالها أصعب من الفناء عن الكون وهدمه ، فمهما زالت النفس وهدمت انهدم الكون ، ولم يبق له أثر ، وقد يهدم الكون وتبقى في النفس بقية . وانظر : إيقاظ الهمم ( ص 67 ) . ( 2 ) النص من نشرة عبد القادر ( ص 53 ، 54 ) ، عن المخطوطتين ( 226 - 227 ) .