الشيخ أحمد فريد المزيدي

122

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وكذلك أقول في الحكاية قبلها إن ذاك الشاب قد يكون قدره اللّه تعالى ذلك الوقت اعتناء بابن خفيف ورفيقيه لئلا تعظم أنفسهم عليه ، فأحب اللّه تعالى أن يعرفهم أن في عباده شابا وصل إلى ما لم يصلوا إليه ، وهو رآهم على طريق العامة ، وهذا من العناية بهم . وحكي أن أبا عبد اللّه بن خفيف ناظر بعض البراهمة فقال له البرهمى : إن كان دينك حقا فتعال أصبر أنا وأنت عن الطعام أربعين يوما ، فأجابه ابن خفيف فعجز البرهمي عن إكمال المدة المذكورة وأكملها ابن خفيف وهو طيب مسرور . وأن برهميا آخر ناظره ثم دعاه إلى المكث معه تحت الماء مدة ، فمات البرهمي قبل انتهاء المدة ، وصبر الشيخ إلى أن انتهت وخرج سالما لم يظهر عليه تغير . وقال ابن خفيف : خرجت من مصر أريد الرملة للقاء أبي على الروذباري فقال لي عيسى بن يوسف المصري المغربي الزاهد : إن شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما لعلك تستفيد منهما ، فدخلت إلى صور ، وأنا جائع عطشان ، وفي وسطي خرقة ، وليس على كتفي شئ ، فدخلت المسجد ، فإذا اثنان مستقبلا القبلة ، فسلمت عليهما ، فما أجاباني ، فسلمت ثانيا وثالثا ، فلم أسمع الجواب ، فقلت : ناشدتكما اللّه إلا رددتما علي السلام ، فرفع الشاب رأسه من مرقعته ، فنظر إلي وردّ السلام ، وقال لي يا ابن خفيف : الدنيا قليل ، وما بقي من القليل إلا القليل ، فخذ من القليل الكثير يا ابن خفيف ، ما أقل شغلك حتى تفرغت إلى لقائنا ، فأخذ كليتي فنظر إلي وطأطأ رأسه في المكان فبقيت عنده حتى صلينا الظهر والعصر ، فذهب جوعي وعطشي ونصبي ، فلما كان وقت العصر ، قلت له : عظني ! فقال يا ابن خفيف : نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان لعظة ، فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا ولا شربا ولا ناما ، فلما كان في اليوم الثالث ، قلت في سري : أحلفهما أن يعظاني لعلي أنتفع بعظتهما ، فرفع الشاب رأسه فقال لي : يا ابن خفيف عليك بصحبة من تذكرك اللّه تعالى رؤيته ، وتقع هيبته على قلبك فيعظك بلسان قوله ، والسلام ، قم عنّا . وقال ابن خفيف : قدم علينا بعض أصحابنا ، فاعتل بعلة البطن ، فكنت أخدمه ، وآخذ منه الطست طول الليل ، فغفوت مرة فقال لي : نمت لعنك اللّه ، فقيل له : كيف وجدت نفسك عند قوله : لعنك اللّه قال : كقوله رحمك اللّه .