الشيخ أحمد فريد المزيدي

121

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وكان إذا أراد أن يخرج إلى صلاة الجمعة يفرق كل ما عنده من ذهب وفضة ، ويخرج في كل سنة جميع ما عنده ، ويخرج من الثياب حتى لا يبقى عنده ما يخرج به إلى الناس . وقال بعض أصحابه : أمرني ابن خفيف أن أقدم كل ليلة إليه عشر حبات زبيب لإفطاره ، قال : فأشفقت عليه ليلة فجعلتها خمس عشرة حبة فنظر إلي وقال : من أمرك بهذا ؟ وأكل منها عشر حبات وترك الباقي . وقال ابن خفيف : سمعت أبا بكر الكتاني يقول : سرت أنا وأبو العباس ابن المهتدي ، وأبو سعيد الخراز في بعض السنين وضللنا عن الطريق ، والتقينا بحيرة ، فبينا نحن كذلك إذا بشاب قد أقبل وفي يده محبرة ، وعلى عنقه مخلاة فيها كتب فقلنا له : يا فتى كيف الطريق ؟ فقال لنا : الطريق طريقان ، فما أنتم عليه فطريق العامة ، وما أنا عليه فطريق الخاصة ، ووضع رجله في البحر وعبره . وحكي عن ابن خفيف أنه قال : دخلت بغداد قاصدا للحج ، وفي رأسي نخوة الصوفية ، ولم آكل أربعين يوما ، ولم أدخل على الجنيد ، وخرجت ولم أشرب وكنت على طهارتي ، فرأيت ظبيا في البرية على رأس بئر وهو يشرب ، وكنت عطشان فلما دنوت من البئر ولى الظبي ، وإذا الماء في أسفل البئر ، فمشيت وقلت : يا سيدي ما لي عندك محل هذا الظبي ، فسمعت من خلفي يقول : جربناك فلم تصبر ، ارجع فخذ الماء إن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل ، وأنت جئت مع الركوة والحبل ، فرجعت فإذا البئر ملآن فملأت ركوتي ، وكنت أشرب منها وأتطهر إلى المدينة ولم ينفد الماء ، فلما رجعت من الحج دخلت الجامع ، فلما وقع بصر الجنيد علي قال : لو صبرت لنبع الماء من تحت قدمك لو صبرت ساعة ، قلت : قوله نخوة الصوفية يعنى شدة المجاهدة ، والذي يقع لي في هذه الحكاية أنها منبهة له من اللّه على الأخذ في طريق التوكل وطرح الأسباب ، وهذا يقع كثيرا لأرباب العنايات من اللّه تعالى في أثناء المجاهدات يقيض اللّه تعالى لهم منبها من صوت يسمع أو إشارة تحس أو أنحاء ذلك يدلهم على مراد اللّه تعالى منهم أو غير ذلك عناية بهم ، فقيض اللّه تعالى هذا الظبي منبها له ثم أكده بكلام الجنيد له آخرا عند عوده من الحج .