الجنيد البغدادي

298

السر في انفاس الصوفية

من استرسل بإطلاق التوحيد ولم يتقيد بظواهر الشريعة فقد قذف به في بحر الزندقة ، ولكن الشأن أن يكون بالحقيقة مؤيدا ، وبالشريعة مقيدا ، وكذلك المحقق فلا يكون منطلقا مع الحقيقة ، ولا واقفا مع ظاهر إسناد الشريعة . وكان بين ذلك قواما . فالوقوف مع ظاهر الإسناد شرك ، والانطلاق مع الحقيقة من غير تقيد بالشريعة تعطيل ، ومقام الهداية فيما بين ذلك . فالإسلام ظاهر وباطن ، فلا غنى عن الظاهر بالباطن ، كما إنه لا غنى عن الباطن بالظاهر ، والصوفية يربطون بين الظاهر والباطن ، أي بين الشريعة والحقيقة . والجديد في نظرية الجنيد ليس ما يقوله في التوحيد الصوفي بمعنى الفناء في الله ، ولا في قوله : إنه معنى ينكشف للنفس عن طريق صلتها بالله في تجربة روحية غامرة ، وإنما هو في رجوعه بالتوحيد الصوفي إلى جبلة النفس الإنسانية التي يتجلى في صفحتها معنى التوحيد بعد أن تصفها الرياضات والمجاهدات وتتخلص من شوائب البدن وكدوراته ، وفي أنه يستند إلى الآية القرآنية المعروفة بآية ( الميثاق ) التي تشير إلى أن الله تعالى خاطب أرواح بني آدم في الأزل وأشهدهم على أنفسهم بسؤاله إياهم : ( ألست بربكم ) ؟ فشهدوا له بالوحدانية بقولهم : ( بلى ) فعلى هذه الآية بنى الإمام الجنيد نظرية جديدة