الجنيد البغدادي
84
رسائل الجنيد
السماوات والأرض بكل ما فيها ! فقال له موسى عليه السلام : فهل تشتهي شيئا ؟ قال : شربة ماء . فذهب موسى عليه السلام فأتى إليه بشربة ماء فوجده ميتا فحزن موسى عليه السلام عليه حزنا شديدا وتركه ومضى ليأتيه بكفن ، فلما رجع فإذا أسد يأكله فطرح موسى الكفن ، وقال : يا رب زعمت أنه من أوليائك وأهل قربك ، فلما فعلت به ذلك به ؟ قال : يا موسى هكذا فعلي بكل من أرادني وانقطع إلي ثم مال قلبه إلى غيري ، وإني غيور على أحبابي ، صرفت عنه ما سواي بالكلية . وحكي أن شابا من أهل المعرفة قصد زيارة بيت اللّه الحرام ومعه رفيق ، فلما وقع نظره إلى البيت استأنس به ، وجعل ينظر إليه ثم جعل يضرب وجهه بيديه ، حتى خرجت عيناه ، وسقطتا على الأرض ، ومات مكانه ، فبكى عليه رفيقه ، وحزن حزنا شديدا ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي لم صنعت هذا بصاحبي ورفيقي ؟ فإذا بهاتف يقول : هكذا فعلنا بمن أقبل إلينا ثم نظر منا إلى غيرنا . وكان سري السقطي كثيرا ما يقول : اللهم إني أعوذ بك من ذل الحجاب وسوء المنصرف عنك بعد القصد إليك ، فإنك خير جليس وأنيس . وحكي أن رجلا أتى إلى باب زبيدة ، فقال : إني عشقتها ، فأخبروها بقصته . فقالت : ائتوني به ، فأتي به إليها . فقالت له : أصادق أنت فيما تزعم ؟ فقال : إني عشقتك . فقالت : يا هذا لا تقل هكذا فإن لي ولك فيها ملامة أعطيك ألف درهم ولا تقل . قال : لا أريد ، فقالت : أعطيك ألفين ، فقال : لا أريد مثل ذلك . حتى بلغت إلى عشرة آلاف درهم ، فقبل الرجل تلك الدراهم ورضي بها عنها ، وترك مقالته بعشقها ، فأمرت زبيدة بضرب قفاه ، فما زالوا يضربوه على القفا حتى قتلوه . فقالت : هذا جزاء من ادعى عشقنا ومحبتنا ، ولم يكتف بنا عمالنا ، فما من عارف سمع بهذه القصة في ذلك الوقت إلا فزع حتى غشى على بعضهم ، وقالوا : مخلوق ادعى محبة مخلوق ، فلما مال منه إلى غيره حل به ما حل فكيف بمن ادعى محبة رب العزة جل جلاله . وحكي أن أبا سعيد قال : سألت رجلا من أهل المعرفة متى يصل القاصد إلى اللّه تعالى ؟ قال : لقد سألت عن أمر عظيم ، فإنما قبل ذلك عقبة وبحار وأودية وقفار ، فمتى لم تقطعها لم تصل إليه ، وهي عقبة الدنيا ، وبحر النفس ، وأودية الخلق ، وقفار