الجنيد البغدادي
85
رسائل الجنيد
رؤية العطايا والكرامات ، لأن في قطعها الوصول إلى الرب سبحانه وتعالى . وحكي أن بعض العارفين حج ، فلما فرغ من شأن الحج أحرم من الناس ولبى مرة أخرى ، فقيل له : يا هذا مضت أيام الحج ، فما هذا ؟ قال : أحرمت أولا ، من الوطن إلى البيت ، الآن أحرمت من البيت إلى صاحب البيت . وحكي أن بهلول المجنون دخل يوما بيت اللّه الحرام ساكنا مبهوتا مدهوشا فقال له رجل : سل مني حاجتك ؟ فإنك في بيت اللّه تعالى . فقال : ليس من مروءة الرجل أن يسأل في بيت اللّه غير اللّه ، ثم أنشأ يقول كلما ترى صيرني * أوحشني أفردني شردني في قفرها * أقلقني في وطني إذا تغيب بدا * وإن بدا غيبني قال الشيخ بركة المسلمين أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى وإلى مواصلته اعرفوا مراتب القاصدين وسيرهم ، واسلكوا سبيلهم ولا تستوحشوا من قله أهلها ، واجتهدوا إخواني في السير فإن المدة قليلة ، وقد آن ذهاب أوانها ، فإن المصير إلى اللّه قد دنا والمنقلب قد قرب ، والرحيل من هذه الدار كثيرة الأكدار إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، يا معاشر القاصدين يا إخواني وفقكم اللّه تعالى ، ينبغي لكل حر قصد اللّه سبحانه وتعالى أن ينتقل إليه بالكلية ويستسلم له وينقطع إليه ويفوض أمره إلى اللّه بالكلية ، وأن ينفرد ويرتحل عن الكل إلى الكل ، ويفرغ قلبه عن شغل لا يفيده بالكلية إلى شغل لا غنى له عنه ، بل إلى من لا غنى له عنه أصلا ، إخواني جاء الموت وذهبت الدنيا بالكلية ، وفات المقصود والمطلوب بالكلية ، فالسعيد من داوم بالقصد إلى اللّه تعالى وخرج من الدنيا طائعا قبل أن يخرج منها كارها ، فهذا بيان القصد إلى اللّه تعالى ومواصلته ، وما ينبغي للقاصدين من التهيؤ حتى يكونوا للمقصود أهلا ، فإذا حالت وفاتت من هذه حالة أو علم اللّه منه صدق طلبه وقاطعه أو ان أجله أمر اللّه ملائكته بالتحية والصلاة عليه وباهى به الملائكة الكرام ، لأنه مركب من شهوة ونفس وعليه أعداء يمكرون به ويسولون له دنيا حاضرة وبلايا متواصلة ، فيا لها من همة عليه ونفس زكية ، يجعلها اللّه عنده في حضرته مقبولا وتحت حجاب