الجنيد البغدادي

83

رسائل الجنيد

لو كنت من أهل الوداد حقيقة * لغبت عن الدنيا ونمت عن الكل الحسن وكنت بلا حال مع اللّه واقفا * تصان عن التذكار للجن والأنس وحكي أن ذا النون رأى رجلا يبكي في سجوده وهو يقول : اللهم ارزقني رزقا حلالا واسعا وزوجني من حور العين في الجنة ، فقال له ذو النون : يا مسكين في الدارين تبكي ، تبكي في الدنيا للخبز وفي الآخرة تبكي على الحور العين ، فمتى تتفرغ لمولاك . وروي في بعض الأخبار أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أن قل لقومك : إن أعطيتكم الدنيا اشتغلتم بإمساكها وإن منعتها عنكم اشتغلتم بطلبها فإلى متى هذا ؟ متى تتفرغون لي ! . قيل : سمع بعض العارفين قائلا يقول : إلهي في الدنيا الغموم والهموم وفي الآخرة الحساب والعذاب ، فمتى الراحة ؟ فقال له العارف : يا هذا ما بلغك قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم " لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه " . وحكي أن الخواص قال مررت بشاب في البادية جالس تحت شجرة أم غيلان وهو يقول : لبيك من الدارين إليك ، لبيك تلبية منقطع إليك عمن سواك لبيك ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، ثم رمى ببصره نحو السماء ، فقال : سبحان من آنس ما دونه عن قلوب أصفيائه وأحبابه فنظروا بقولهم إليه بلا كيف ! واللّه للمحبين ما أملوا ، فقلت : رحمك اللّه كيف الطريق إليه ؟ فقال : بترك الخلائق وقطع العلائق . قال : معي شيء من الدنانير فوضعتها بين يديه وقلت له : أنفقها على أمرك ، قال : مر بارك اللّه فيك إن الذي قصدنا إليه أجود منك ، ثم قام ومضى مسرعا . وقال : إلهي أكثر خلقك مشغولون عنك وأنت عوض من كل فائت ، ثم غاب عن بصري فلم أره بعد ذلك . وروي في بعض الأخبار أن اللّه سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام : يا موسى إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما فإنك تصل بذلك إلى قربى ومصاحبتي . فقال له موسى عليه السلام : إلهي دلني على واحد منهم . فقال : اذهب إلى خرابة كذا فإن فيها مبتلى ، فأتى موسى الخرابة ، فإذا برجل مقعد أعمى أصم وهو يقول : الحمد للّه رب العالمين كما هو أهله ، فقال موسى : منذ كم أنت ها هنا ؟ قال : منذ كذا وكذا سنة كنت مواظب مؤانسته ومواصلته فأمتحنني بامتحان لا تقوم له الجبال ولا