الجنيد البغدادي
61
رسائل الجنيد
الباب الخامس فيما ينبغي للقاصدين من التهيّؤ حتى يكونوا للمقصود أهلا قال الشيخ الأجل العارف باللّه تعالى شيخ الطريقة والحقيقة أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن العبد إذا قصد اللّه تعالى ومواصلته وقربه منه فينبغي له أولا أن يتطهر ، فيطهر أولا نفسه من نجاسة الشهوات وجوارحه من أدناس الزلات وقلبه من رين الغفلات وسره من كدورات الالتفات عن مولاه إلى المكونات ، حتى تصير كليته طاهرة من جميع العيوب والآفات حتى أن جميع ظواهره لو وضعت في طبق ، وطافوا بها بين أهل الأرض لم يجدوا فيها عيبا ، وحتى أن جميع بواطنه لو وضعت في طبق وطافوا بها بين أهل السماء لم يجدوا فيها عيبا ، وحتى أن طيران جميع سره لو وضع على طبق وقدّموه بين يدي الملك الجليل لم يستحي منه لعيب فيها ، واعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى ومواصلته أن مثل من قصد أن يتصل إلى ملك الملوك رب الأرباب مع جميع العيوب كمثل رجل وقع في كنيف وصار من رأسه إلى قدمه قذرا فأتى إلى عطار ، وقال له : أريدك تطيبني بأطيب طيب عندك ، فيقول له العطار : الطيب حاضر ، فما من موضع منك إلا وهو ملوث بالقذر ، فيقول الرجل : فأي شيء أصنع ؟ فيقول له العطار : اذهب واشتر الأشنان ، وخذ من الطيب وادخل الحمام ، واغسل نفسك ولباسك ، ثم ائتني حتى أطيبك من عطري ، فكذلك العبد كلما قصد إلى اللّه سبحانه وتعالى فينبغي أن يشترى أشتان الانتباه وصابون الندامة ، ثم يدقها بمدقة الخوف والخشية ، ثم يصنع طست الاستقامة ، ثم يكب عليه من ماء الحياء والتوبة ، ثم يغسل به قميص وفاء العبودية من أدناس الجهل والغفلة ومن جميع التخاليط والعلائق بأيدي الإخلاص والحرمة ، ثم يلبسها برؤية التوفيق والعصمة ، ثم يغسل نفسه بماء الصدق والصفوة ، وبأنواع الرعاية والرياضة من أدناس الهوى والشهوة حتى تصير طاهرة من جميع العيوب والآفات ، ثم إن اللّه تعالى إذا نظر إلى هذا العبد ورآه مغسولا بماء الصدق والصفوة مزينا بلسان الوفاء والصيانة ، متقمصا بقميص التقوى والديانة معمما بعمائم الحرمة والاستقامة ، مترديا بأردية الخشية والمهابة متسربلا بسرابيل الخمول