الجنيد البغدادي
62
رسائل الجنيد
والنسيان لكل ما دون اللّه تعالى ، فعند ذلك يطيّب اللّه قلبه بطيب مسك الهداية ، ثم يجلسه على سرير الوداد مرتقيا على بساط القدس متربعا وعلى نمارق السكينة في أرائك الأنس متكئا إلى مسند الاعتصام في مجمع حسن الإرادة ولطائف الإشارة على حافات أنهار الزوائد في رياض ألوان العجائب بين خدام الفوائد مستندا وعلى موائد التقرب في بساتين الألفة تحت أشجار الوصلة بين رياحين الشوق والمحبة قاعدا ، ثم إذا تناول هذا القاصد أطعمه أثمار الشفقة في كاسات الرضا بأيدي الصدق والصفا مع شكر جاء في الخدمة والوفاء وقليات الشكر والرضا ، ثم أكل منها بإشارات الشريعة وأنامل اتباع السنة لقم اليقين والفطنة ، ومضغ فناء النفس والشهوة ونسيان الخلق والخليقة مع طيران الأفكار والهمة في قباب رؤية المنة تحت ظلال التعظيم والهيبة على راية حفظ الأدب وحسن المودة ، ثم إذا هاج من سر هذا القاصد عطش الاشتياق إلى محبوبه ومقصوده ، مد إلى كاسات الاستيناس بأيدي الاحتراق من بحر الوداد من شراب الوصلة إلى المراد ، فشرب منها شربة بعد شربة وكأسا بعد كأس حتى سكر من كل ما سواه سكرة لا يفيق منها إلى أبد الأبد ، فياله من قاصد ومقصود ! وياله من لباس وملبوس ! وياله من حبيب ومحبوب ، ! ويا لها من عناية وولاية ! ثم يا لها من دولة وهداية ! ثم يا لها من بداية وبلا نهاية ! ثم ياله من ملك عطوف ومعبود شريف رؤوف جل جلاله وتقدست أسماؤه ! . واعلموا وفقكم اللّه أن العبد القاصد إلى هذه الرتبة العلية إذا بلغ هذه الغاية ووصل إلى هذه النهاية وصار بالكلية سالما من جميع أشغال الدنيا وأهلها ، وآفات النفس وأدرانها ، وصار حرا من عبودية من سواه ، أنزله اللّه على سرير الانشغال به ، وأجلسه على نمارق الاتكال عليه ، وأتاه عيان الإقبال إليه ، فعند ذلك صار مشاهدا لمقصوده ومحبوبه عز وجل ، وصح له القصد إليه ، فحينئذ جعل اللّه تعالى قلبه موضع نظره وموطن بره ، وزيّنه بحلل جماله ، وأدخله في دار الإمارة دار علمه وحكمته ، فعند ذلك يزور مقر مقصد القاصدين بالفؤاد ، حول منتهى لطفه ، ويرتع في روضات قدسه ، ويطير بجناح المعرفة في سرادقات غيبه ، ويجول في ميادين قدرته وحجب جبروته ، حتى يصير القاصد مكتفيا بكفايته عن كفاية غيره ، ومعتصما بعصمته عن عصمة غيره ، ثم يصير مستكفيا به معتصما مطمئنا به عن كل ما سواه ، ثم يصير مضروبا بسوط اشتياقه ، مقتولا من ألم فراقه ، مطروحا على فرش وداده ،