الجنيد البغدادي

52

رسائل الجنيد

الباب الثالث في بيان نداء الحق سبحانه وتعالى إلى القاصدين إليه واستماعهم له قال إمام الشريعة وشيخ الطريقة : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن للّه تعالى عبادا اصطفاهم وأصفاهم لنفسه ، اختصهم لصحبته ، واختارهم لأنسه ، وأكرمهم بقربه ، وطيبهم لذكره ومناجاته ، وأعطاهم قلوبا كشف عنها حجب الأغيار ، وأطلعها على أبحر الأنوار ، وأشرفها على خزائن الأسرار ، وطرق لها سبل سنن الأبرار ، وأجلسها على سرر الأحرار وغشيها بنور الافتخار ، ولهذه القلوب ساكنة غامضة غاب عنها كل تمن بل لا يخطر الوهم بدونه وصارت بالكلية مطمئنة إليه ، مستأنسة به مستقيمة معه لا تلتفت منه إلى الدارين ولا تنصرف عنه بالكونين هيبة لإجلاله وتعظيما لحرمته ، لهذه القلوب والأسرار التي ذكرناها أبصار ينظرون بها إلى جلال اللّه وعظمته وكمال ربوبيته ولطائف صنعه ، ولها أسماع يستمعون بها نداء الحق سبحانه وتعالى ، وحسن مخاطبته ، ولطائف معاتبته ، وصنوف دعوته إلى نفسه ، ولها ألسن يجيبون بها بصدق التلبية وحسن التناجي مع غاية الاحتراف إليه ، فلا اللّه سبحانه وتعالى يسكن ساعة من ندائه وحسن مخاطبته فيما يدعو أحبائه إلى نفسه ، ولا هم يملون من الإجابة عندما يناجونه بالتلبية - سبحانه وتعالى - ، ولهم ما يشتهون ، فلو أن عبدا من هؤلاء العباد الذين ذكرنا نعتهم ووصفهم التفت إلى شيء من المنازل والمقامات ، أو مال إلى شيء من المواهب والكرامات أتى إلى سره نداء الحق سبحانه وتعالى : عبدي مالك تقف منى وتميل إلى غيري ، وأنا محل آمال كل مؤمل ، وأنا الذي جعلت آمال أحبائي متصلة بي ، عبدي هلم إلى لا تنازعني ، عبدي ها أنا لك بالكلية سيدا وافيا وفردا وحيدا من الشركاء أبد الآبدين ، فكن أنت لي بالكلية عبدا مطيعا وفردا وحيدا من الأغيار أبد الآبدين ، عبدي أما تذكر كمال توددي بك في كل حال وحسن عنايتي معك في قديم الأزل وذكري لك في الأزل ، عبدي ألم أكرمك بمعرفتي وربيتك بمحبتي وأرشدتك إلى نفسي وطيبتك بذكري حتى صرت لي بالكلية عبدا ، كما كنت أنا في الأزل بالكلية لك ربا ، عبدي ادن مني وأسكن معي ولا تبعد عنى ، ولا تلتف منى إلى