الجنيد البغدادي

53

رسائل الجنيد

غيري ، فتسقط من عيني ، عبدي من أوصلك إلى غيري ، أليس أنا الذي تلطفت بك حتى وقعت الوصلة بيني وبينك ؟ ، حتى صرت من أهل ولايتي لولا أني أردتك وشئت ذلك ، من غيري يقدر إن لم أردك لي يجعلك من أهل قربى ، أحببتك فحببتني ، وذكرتك فذكرتني ، أعليت همتك حتى تمنيت علي فأجبت دعوتك ، وربيتك حتى صرت من أهل مخاطبتي ، عبدي أنا خلقتك ورزقتك ، وأردتك بي ، وقبل ذلك جعلت لك إرادة ، ليس لك حيلة إلا بي ، وقلبك بيدي ، وكليتك لي ، فإن سلمت كليتك لي واكتفيت بي عما لي ، كنت لك بكل ما لي أبد الآبدين ، وإن لم تكتف بي عما لي ، بقيت منقطعا عني وعن كل ما لي فلم يزل المولى جلا وعلا بمثل ذلك يدعوه إلى نفسه حتى صيّره بالكلية له مجردا أو قرّبه منه أقرب من الروح إلى الجسد ، فهذا بيان ما ذكرناه من نداء الحق سبحانه وتعالى إلى سر أحبابه وأصفيائه وأهل قربه تعالى . قال المؤلف رضي اللّه عنه : فمن علم هذه العبارات وأدرك هذه الإشارات وعرف معاني هذه الكلمات فبخ بخ ، وإلا سأذكر لكم ما قال اللّه سبحانه وتعالى في الكتب المنزلة على أنبيائه في نعت الأصفياء وندائه لهم ، فيما يدعوهم إلى وصله وقربه ، وفيما يخاطبهم ويعاتبهم حين مالت قلوبهم إلى غيره ، فهذا ما روي في الأخبار أن اللّه سبحانه وتعالى يقول في بعض الكتب المنزلة : وعزتي وجلالي وكبريائي ، وارتفاعي في علاي أني لا أقطع أمل كل مؤمل لغيري بالإياس منه ، يؤمل عبدي غيري والخير كله بيدي ، إني جعلت آمال خلقي متصلة بي فما لعبدي معرضا عني ، عبدي تنعم بي وتستأنس بي فإني لك خير من كل ما سواي في الدنيا والآخرة ، بعدي ألم أذكرك قبل أن تذكرني ، وأحبك قبل أن تحبني وأردتك قبل أن تريدني ، عبدي أما تستحي مني إذ أعرضت بوجهك عنى ، أيليق بك أن تلتفت مني إلى غيرى ، أين تذهب وطريق الخير والفلاح والنجاح والوصلة إليّ ، عبدي أين من أتاني فلم أقبله ، وأين من دعاني فلم أجبه ، وأين من أمّلني فقطعت أمله مني ، عبدي بابي لك مفتوح ، وعطائي لك مبذول ، وأنا أرحم الراحمين . وروى أيضا أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا ، عليهما السلام : يا يحيى إني قضيت على نفسي أن يحبني عبد من عبادي ، أعلم ذلك من قلبه إلا كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره ولسانه ، وأبغض إليه كل شيء دوني وأمنع عنه