الجنيد البغدادي
49
رسائل الجنيد
حتى يتقيها ويخالفها ، وينزلها منزلة الذل والهوان ، فعند ذلك يصير حرا من عبوديتها ، واستراح من أنواع شغلها ، وصحت له العبودية لمولاه تبارك وتعالى ، وصارت النفس منقادة تحت أثقال العبودية ويقوم هذا العبد على قدمي الفقر والفاقة على بساط العبادة ، فعند استحكامه مقام العبادة يكاد قلبه أن يقف عليها إلى الموت ، ويكتفي بها ويسكن إليها ويرضى من اللّه تعالى بهذا القدر ، فيأتي من اللّه تعالى النداء إلى السر ، فيقول : عبدي أوقفت واكتفيت بدوني ، وملت إلى غيري ، وأنا محل آمال كل مؤمل ، إليّ إليّ ، عبدي لولا توفيقي لما أطعتني ، لا تنظر إلى طاعتك ، أنا المقصود والمطلوب ، فحينئذ تهيج من سره نار الاشتياق إلى القرب من المولى الخلاق ، فيطير بأجنحة الهمة نحو ندائه قاصدا لمواصلته بصدق الإرادة ، فلما علم اللّه من سره صدق الإرادة أجلسه على مركب الخوف والخشية ، ثم يريه خفيات مكره تحت جميل ستره ، ودقائق استدراجه في جزيل نعمه ، وإظهار فضله لأهل عدله وإظهار عدله لأهل فضله ، فعند ذلك يبصر هذا العبد آفات رؤية الأعمال والاغترار برؤية صفاء الأوقات ، فحينئذ يفزع من مكره ويخاف حقائق معلومة في سابق علمه ، ويطير فؤاده ويشتد كمده وحزنه حتى كأنه قامت قيامته وضاقت سبله ودام تحيره وكلّ لسانه ودهش عقله ، وصار من جميع الراحات بعيدا وعن جميع الخلائق فريدا . فإذا استحكم له مقام الخوف ، يكاد قلبه أن يقف عليه إلى الموت واكتفى به وسكن إليه ورضي من اللّه تعالى بهذا القدر أتى إلى سره نداء الحق سبحانه وتعالى ، ويقول عبدي مالك تقف وتكتفي بدوني ، وتميل إلى غيري ، وأنا محل آمال كل مؤمل ، إليّ إليّ ، عبدي لا تنازعني في مثل ذلك ، فحينئذ يهيج من سره نار الاشتياق إلى قربه ، ويطير السر بأجنحة الهمة نحو ندائه ، قاصدا إلى مواصلته على صدق الإرادة ، فلما علم اللّه من سره صدق الإرادة أجلسه على مركب المحبة والشوق إليه ، ثم يريه ما تقرّ به عينه ، ويرشده إلى ما يطيب به قلبه ، ثم أقعده على موائد أنسه ، وسقاه بكأس مودته شربة بعد شربة حتى يسكن به عن غيره ، ثم يمحي عن قلبه كل تمن لدونه ، ويقطع عن قلبه كل شيء يشغله عن مقصوده ومحبوبه ، حتى لا يجد ألم البلايا من حلاوة قربه ، ولا يؤثر عليه شيء في