الجنيد البغدادي

50

رسائل الجنيد

الدارين ، ولا ينصرف عنه بالكونين ولا يلتفت منه إلى الثقلين إجلالا لحرمته . فإذا أقام هذا العبد بقدمي الاعتراف على بساط الوداد واستحكم له مقام المحبة ، وكاد قلبه أن يقف عليها إلى الموت واكتفى بها وسكن إليها أتى إلى سره نداء الحق سبحانه وتعالى يقول : عبدي مالك تقف وتكتفي بدوني ، وتميل إلى غيري وأنا محل آمالك وكل مؤمل ، عبدي هلم إلى لا تنازعني في مثل ذلك ، فعند ذلك يهيج من سره نار الاشتياق إلى قربه ، ويطير بأجنحة الهمة نحو ندائه قاصدا إلى مواصلته على صدق الإرادة ، فلما . . . « 1 » أجلسه على مركب القرب من اللّه عز وجل والأنس به ، ثم كشف عن سره الحجب والأستار ، حتى ينظر إليه بلا كيف بعيني الفؤاد ، ويسمع لذائذ كلامه بالتحية والسلام ، ثم يصفى كليته من غبار البشرية ، ويطرقه إلى مهيمنة الصديقين ، ويجعله من العدد المجردين عن عبودية من سواه ، ويشاهد من لطائف قدره القدير ، فعند ذلك يدور قلبه حول منتهى عزه ويرتع في روضات قدسه ، ويطير بجناح الاشتياق في سرادقات غيبه ، ثم يدخله اللّه تعالى في دار وصلته ، ويغشيه بنور افتخاره ويطلعه على أسرار مكنونه ويرشده إلى نفسه ، ويشرفه على كمال لطفه ، حتى تصير همته علوية وأحواله قدسية ، وإرادته ربانية ، وحركاته فردانية وأنفاسه نورانية وصفاته ديمومية ، وأحواله غير موصوفة ، وخصاله غير مدركة ، لأنها ودايع سره الذي منه بدا وإليه يعود . فإذا قام هذا العبد على قدمي الصدق والوفاء والصفاء على بساط الصدق والقرب والنجوى ، وكاد أن يقف ويستند على ما ذكرنا من الوقوف في المنازل والمقامات عن القصد إليه واكتفى بها قلبه وسكن إليها ورضي بالوقوف عليها إلى الموت ، ورضي من اللّه تعالى بهذا القدر أتى إلى سره نداء الحق سبحانه وتعالى : عبدي ما لك تقف وتكتفي بدوني ، تميل إلى غيري وأنا محل آمال كل مؤمل ، عبدي هلم إلى لا تنازعني في مثل ذلك ، فحينئذ يهيج من سره نار الاشتياق إلى قربه ، ويطير السر بأجنحة الهمة نحو ندائه ، فلما علم اللّه تعالى من سره صدق الإرادة وأجلسه بقربه منه أقرب من الروح إلى الجسد ، وهي حالة التجلي والمشاهدة ، وهي التي تفنى الكلية في جنبها ، ويبقى الحق كما كان هو في الأزل قبل

--> ( 1 ) كلام مكتوب بالحبر الأحمر غير واضح في الميكرو فيلم .