الجنيد البغدادي

186

رسائل الجنيد

( ومثل ) « 1 » أبى العالية إنه وقع في أصبع كافية لأهل الدراية مفصلا وإنما طالعت على الاختصار دون الإكثار وأسقطت الترتيب والتنزيل في المنازلة عند بروز الأحوال وتغطية كل نسبة تحت كل صفة وذلك إنما علقت باستذكار العقلاء من الربانيين . فصل منه اعلم أن أوصاف أهل السكرة من المحفوظين ممن قد غلبت عليهم رؤية الحق وأخرجهم إلى الخلاف عن غير المقاصد وانبسطوا في ركوب الأحوال المانعة في العلم بما لا يليق بأوصافهم فإن أهل الحق في ذلك محولين لعدم المقاصد للخلاف وصحة التوجه في التوجه إليه وإنهم لم يخرجهم عن حدود المرسوم إلا الوفاق فيما علاهم في حسن الظن وقوة الآمال فيما أبسطهم واستولى عليهم الحكم فاستنطقهم وما تجلى لهم منه فاستعطفهم فكانت بوجود ما له جل ثناؤه : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] يعني على الخلاف فحمله رؤية الخلود في جواره وتقوى عليه بآثار أطماعه فغشيه من رؤية حبه والكينونة معه في داره فصادف الخلاف بقوله : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 ) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ، 20 ] فقال عليه السلام : ما علمت أن أحدا يحلف بك كاذبا ، فهجم عليه رؤية الخلود الوقوف في الخلاف طمعا في الوفاق مع التلاق عن غير قصد وذلك موجود في شرائعنا ومرسوم في ملتنا من ذلك أن أبا طيبة حجم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فشرب دمه ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : " ما حملك على ذلك ؟ " فقال : محبتك . فقال : " أما إنك قد احتظرت بحظار عن النار " فكان شربة محظورا في العلم ممنوعا في الشرع فلما استنطقه خبر عن وجده وما غشيه من محبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأجاز قصده وأسقط ما ثم فعله وما كان من فعل أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه لما تقدم يصلي بالناس فخرج فأتى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فمشى أبو بكر القهقري فلما أشار إليه أي مكانك لم يقف وخالف فلما صلى قال له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما منعك أن تقوم مقامك لما

--> ( 1 ) ليست في خ .