الجنيد البغدادي
187
رسائل الجنيد
أشرت إليك فقال له : ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلما استنطقه عن فعله خبر عن وجود التعظيم والإجلال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن خلافه وكان ذلك أتم في الحالة وأعلى لجوازه له عليه السلام ومن ذلك ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أن رجلا كان قال لبنيه : إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني فو اللّه لئن قدّر اللّه علي ليعذبني قال : ففعلوا ذلك قال فما كان أن جمعه اللّه تعالى فقال عبدي ما حملك على ذلك فقال يا رب خشيتك ، فغفر اللّه له عز وجل له وذلك لعلمه سبحانه بصحة خوفه عظيم ما علم من سطوته وأليم عذابه فكان ذلك منه صدق الإيقان وتحقيق للإيمان وكان قوله فو اللّه لئن قدر على ظاهره كفر وخلاف فتجافى الحق سبحانه تعالى عنه لصدق اعترافه وسرعة انقياده وكان الغالب فيما يغشاه فيه معرفته بعظيم عقوباته قبله الحق على ما كان من خلافه لصدق حاله وغلبة وجوده وكذلك رواه عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لما عرج بي إلى السماء سمعت تذمرا على اللّه تعالى فقلت : " من هذا يا جبريل " فقال : موسى عليه السلام يتذمر على اللّه عز وجل ، فقلت : لم ذاك ؟ قال : عرف ذلك منه فاحتمله ، ألا ترى أن التذمر على موضوع ما رسم لنا داخل في باب التضجر والتبرم وترك الرضا بالسخط فأجاز له الحق سبحانه وتعالى ذلك عن غير وصف الخلاف بل ذلك بصحة البسط في الوفاق فاحتمله عن شيء له أن يطالبه وإن شاهد حاله متدرجة تحت آثار قوليه واصطناعه لأنهم المعروفون بالحفاظ والوفاء والصدق والوفاق فبها ( فنضت ) « 1 » صفاتهم ، وعنها ورد فغلبتني عيني وكنت بين النائم واليقظان رأيت كأن ملكا نزل من السماء فجاءني فنفث في روعي ثم حرفني : قم وأنا أبكي . وعن الحسين المالكي سمعت الجنيد رحمه اللّه يقول : كنت في حداثتي وابتداء أمري أطلب رجلا أتأدب به فكنت يوما في نساء بنى نهر عيسى فإذا أنا برجل يصلي فغلبتني هيبته فصليت بجانبه فقام ومر فتبعتهم ، فقال : ما تريد ؟ قلت : كلمة أنتفع بها . فقال : أو تفعل ؟ قلت : نعم . قال لي : الخلق كلهم يريدون اللّه عز وجل فاجتهد أن يريدك اللّه ، فهذا كان بدء إرادتي « 2 » .
--> ( 1 ) ليست في خ . ( 2 ) تنتهي المخطوطة بصفحة غير واضحة فيها بعض أبيات الشعر .