الجنيد البغدادي
177
رسائل الجنيد
وخصهم بما استخلصهم به من تبيانه وقلّدهم من عظيم أماناته أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ، وقال جل ثناؤه : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ « 1 » وقال جل ثناؤه : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ « 2 » . وأنت يا أخي أحد من بقي من قلد من ذلك ما قلدوه وعرف من أنباء الحكم بعض ما عرفوه وعليك عندي تبيان ما وهبه اللّه جل ثناؤه لك والقول بعظيم ما أنعم به عليك فاعدل رضي اللّه عنك إلى المريدين بهمك وأقبل عليهم بوجهك ، وانصرف إليهم بحجتك ، وأعطف عليهم بفضلك وآثرهم على غيرهم بذلك وجميل رعايتك وأبذل لهم منافعهم من علمك ومكين معرفتك وكن معهم في ليلك ونهارك وخصهم بما عاد به عليك ولك فذلك حق القوم عليك وحظهم مما وجب لهم عليك . أما سمعت اللّه جل ثناؤه وذكره وهو يقول لأعظم خلقه عنده قدرا وأعلاهم لديه منزلا : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [ الكهف : 28 ، 29 ] فهذه وصية اللّه عز وجل ثناؤه لنبيه المجتبى محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المصطفى يا أخي رضي اللّه عنك لم أنبهك على خط كنت عنه غافلا ولا على أمر رأيتك عنه مقصرا وأعيذك باللّه من كل هفوة وتقصير وعن كل نقص وفتور ولكن اللّه عز وجل يقول : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ الذريات : 55 ] وقد بدأتك بكتابي هذا متوسلا به إلى مواصلتك ومستزيدا به من إقبالك على مؤانستك ومتسببا به إلى مكاتبتك فكن حيث أحببته منك وزدني فيما رغبت فيه إليك جعلك اللّه سببا لنفع إخوانك ومع ذلك يا أخي هديت لرشدك فقد سنح لي شيء أريد أن أقوله بدأت بنفسي فيه قبلك وأحب أن أكون فيه تبعا لك بعدك وأقدم مع ذلك الاعتذار
--> ( 1 ) في ط : بالخلق . ( 2 ) في ط : بالخلق .