الجنيد البغدادي
178
رسائل الجنيد
إليك إن لم يقع مقبولا لديك فخذه وإن كان له في الحق موضعا وكن له على المناصحة مستمعا فهو لك مني على المناصحة مبذول ، فإن رددته علي فهو لدي مقبول ، يا أخي رضي اللّه عنك كن على علم بأهل دهرك ومعرفة بأهل وقتك وعصرك وأبدأ في ذلك أولا بنفسك وكن عاطفا بعد إحجامك « 1 » فيه موجبة ومعاني مختلفة واللّه عز وجل يؤيد بنصره من يشاء وذلك في ديوان العلم موجود وفي موضوع الشرع مذكور واللّه أعلم . واعلم أن الناس في أسباب الموجبة للسكر من رؤية وجود الأذكار مختلفين ومشاربهم متفاوتة فمن سالم ناج ومفتون قد غرقته الأمواج ووقع في بحر عجاج ، فانتسفته ريح هياج فصار في سكرة من الهالكين وأما أهل السلامة من أهل الصدق والتحقيق ممن سلموا في من تلا علم الجمع والتفريق ولم يبالغوا القعر العميق من المرادين بالصيانة ، وسقاهم من الرحيق لأن بادي من الحق كان جاريا لهم على بداية المقاصد بسلامة شربهم وبشرائط الأدب في سكرهم وترك الانزعاج في سقيم فولد عليهم قوارع الزعج بالتشمير وعلاهم شدة الذعر والتهديل فغشيت أسرارهم قوة الحال فغطى بقوته بعض الأحوال المنوطة بأخلاق الذوات عن غير استغراق بجميع الصفات ولا فنيت عن كل الأحوال فتساكر بإظهار سكرة عن غير تحقيق سكر وتظاهر بحقيق الشراب قبل احتواء الشراب . وطائفة بدت شواهد البادي فاختلس منه بمقدار ما تحكم وشاعت في الصفات حتى كشفت به عن بعض القناع فباح بالسر المكتوم وأسقط الحشمة عن الأنام وكشف ستر الحياء بالتمكين بترك الاحتشام عند الخاص والعام فكان آثار سكره حاكمة وأحكام غمرتها ظاهرة بالذهاب عن رؤية الخلائق والموافقة معهم لتحقيق حاله وآخر تقوى عليه شاهد سقيه فغشيه باحتوائه فاختطف همه عن موافقة وصفه وأزال عنه الوقوف مع تمييزه لاستغراق فهمه وفناء همه والذهاب عن أذكار خلقه فيعلوهم الحال وتتحكم عليهم استغراق ما استوفى عليهم الشراب فبقوا حيارى والهين وعن رؤية التمييز آخذين وعلى سكرهم مغمومين وبالحق مؤيدين وبه محفوظين وأخر تقوى سقى الوداد وغلب عليهم كأس المحاب وتتسمر
--> ( 1 ) في ط : بعد إحجامك فيه بحالك . وإلى هنا ينتهي الكتاب في النسخة المطبوعة .