الجنيد البغدادي
176
رسائل الجنيد
ومع حقيقته وجود ذلك والكون بالنزول فيما هنالك يبدوا أوائل علم من تفرد به ولراده بالاختصاص لما يوجد له ولن يصلح لمعاينة ذلك عين بقيت عليها منها بقية ولن يلامح ذلك « 1 » طرف مواقع لرزية جعلنا اللّه وإياك يا أخي ممن اصطنعهم « 2 » لنفسه واستأثر به عمن دونه . كتابي إليك يا أخي وسبل الحق مسهلة المناهج وطرق الرشد زاهرة ، قد وطئت بالتمهيد لأقدام السالكين وفتحت بالتوسعة لسير الطالبين وزينت ببهجات الأنوار لقلوب الراغبين وهي مع ذلك لقلة القاصدين إليها ، ولقلة السائرين بالصدق عليها كالعشار المعطلة « 3 » والمواطن القفار الخربة ليس لها على ما عظم اللّه من قدرها ووعد من جزيل الثواب على سلوكها من أكثر الناس عامر ولا في عظم خطرها من الخلق راغب وإني أرى العلم مع كثرة منتحليه وانتشار طالبيه بقلة صدقهم في قصده وتركهم العمل بواجب حقه كالعازب والمتغرب البعيد المنفرد وأرى الجهل والدعاوي على كثير من الناس غالبا وقلة العلم للمنتحلين للعمل بينا وأرى هموم أكثر الخليقة على الدنيا عائقا ولما يعجل من حطامها طالبة ولقليل ما تعجل منها مؤثرة قد انكفت العقول والقلوب بالانكباب على طلبها وانصرفت إلى الرغبة في القليل منها وأراهم بشر المراد وكثرة الفساد وقلة العمل للمعاد في غمرة سكرتها وحيرة هوالك ما استولى عليهم منها ليس فيهم لغلبة ذلك عليهم مفيق ولا راجع إليك ، إن وعظته بتحقيق قد اشتملت عليهم الفتنة بالعاجلة ، فتحيرت عقولهم عن أمور الآجلة . والحق « 4 » يا أخي إذا كانوا كذلك أشد الحاجة إلى عالم رفيق ومؤدب ناصح شفيق وواعظ يدلهم على الطريق . وأنت يا أخي رضي اللّه عنك بقية ممن مضى واحد من يشار إليه من العلماء وجليل من أكابر الحكماء وقد علمت رضي اللّه عنك أن اللّه عز وجل قد أخذ الميثاق على أهل معرفته وأولى العلم به الذين آثرهم بكتابه وفتح لهم في الفهم عنه
--> ( 1 ) ليست في ط . ( 2 ) في ط : اصطنعه . ( 3 ) في ط : المتعطلة . ( 4 ) في ط : بالخلق .