الجنيد البغدادي
167
رسائل الجنيد
فتحر طلب الحياة يكون السقيا فإن أوائل تلك الغمام توجدك الشفاء وإن غدق ما بها يغسل عن سرك الميل إلى الدنيا ومباشرته بجسمك يغسل عنك سائر الأدواء وذوقك لسائغ طعمه يميت من نفسك الهوى ، واعلم أن اللّه تعالى إذا أراد عبدا سهل له السبيل ووطأ ( له التنقيل ) « 1 » وأسرع به في الترحيل وبلغه المنزل الفضيل ومنحه الحظ الجزيل وإني أؤملك من الذي عرضك لنجيج السؤال وصحيح القصد في المقال أن يبلغك بفضله عليك ورحمته إياك منازل المسبحين من أوليائه والأصفياء المستخلصين من عباده وأنا واصف لك إن شاء اللّه تعالى ما سألت عنه من نعت أهل الحقائق من أهل العلم العاملين به الصادقين في القصد إليه المجتهدين في إقامة حقه المريدين للعلم لما وجب عليهم منه . الذين لم تفتنهم فيما قصدوه أطماع الدنيا ولم تمل بهم عن الأخذ بحقيقته ولم يستفزهم الغواة من الأعداء أولئك حزب اللّه : أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ المجادلة : 22 ] اعلم أن أول ما أوتوا المحققين من أهل العلم من العمل في أول الطلب ، فلم يبيحوا أقدامهم السعي ولم يتحركوا في ذلك بالجوارح إلا من بعد ما أحكم جميل النظر لهم بالانبساط فيه فسعوا فيه على أصل ما أدبهم العلم به في أول الأمر ومضوا على صحة الحال وشهادة العلم بذلك والزم صحة ما يبدو به الحق ، قلوبهم الأشفاق والحذر والتقية فضمهم وجود ذلك والزمهم حصر الجوارح وضبط السرائر ودوام الصمت وخافوا مع ذلك أن يكونوا قد قصروا عن واجب حق السعي في طلب العلم واشتد تحصيلهم على النفوس وصحبهم جميل الذكر ودوام الفكر في مواطن السعي فحماهم ذلك عن الانبساط عن معاشرة الطالبين له والساعين معهم فيه ، فكانوا بحال والحاضرين معهم بحال كلما بدا من غيرهم لغو أعرضوا وكلما بدا من سواهم غفلة أو لعب خافوا وحذروا وكلما ظهر لهم من غيرهم مزعج يجري إلى تأكيد حالهم وتشديد خيطهم لما عليهم يدعون لمن حضرهم بالسلامة ويحبون لهم الصلاح والاستقامة لا يؤذون الناس ولا يحقرونهم ولا يغتابونهم ولا يزمونهم بل يشفقون عليهم إذا رأوا منهم الزلل ويدعون لهم إذ بدا منهم الخلل يعرفون المنكر وينكرونه ويتجنبونه ويعرفون المعروف ويحبونه ويستعملونه لا يزدرون المقصرين
--> ( 1 ) في خ : بالتنفيل .