الجنيد البغدادي

168

رسائل الجنيد

لكثرة وجوده ولا يغضبون من دونهم لما به من حالهم حمدوه بل يعرفون ذلك بدلالة العلم عليه ولا يخفى عليهم من القوم ما نسبهم الحق إليه فصواب ذلك وخطابه لهم بالعلم مميزا والسلامة من رؤية مكروه ذلك لهم صاحبا وفيما ألزمهم الإشفاق والتقوى شاغلا ولهم على طلب العلم مقيلا ألسنتهم بحمد ربهم عند سماع العلم ناطقة ، وقلوبهم إلى اعتقاد العمل به مبادرة وآذانهم بحسن الإصغاء إليه سامعه وأبدانهم بالخدمة للّه تعالى ساعية أحسنوا على جميل السيرة جمعه وبالوفاء بفضل اللّه تعالى عليهم فهمه ولم يزالوا بدوام السعي إليه « 1 » وشده الإقبال عليه وبكثرة اللزوم لمن العلم حضر لديه حتى أخذوا منه بالحظ الأوفر والنصيب الأكبر فلما بلغوا منه إلى ما به يستعينون وغاية ما إليه يحتاجون وبحقائقه في سائر الأوقات ، يعملون ترجع « 2 » إلى تفتيش ما كتبوا وإلى البحث عما منه طلبوا فكان ذلك مانعا لهم من السعاية جامعا لهم إلى الخلوة بالعبادة ووقفت بالناس إليهم الحاجة وعرف موضعهم بجميل الإرادة وعرف أماكنهم من العلم وشرفت أحوالهم من الفضل وانبسط ذلك ونشأ وظهر ذلك وبدا فمن بين حال بعلمه متشاغل عن الخليقة بعبادته مؤثرا للعمل فيما فتح اللّه تعالى عليه منه ولا يريد بإدامة الخدمة للّه تعالى بدلا ولا بما فتح ولا بالخلوة بما فتح اللّه تعالى من ذلك حولا ومن بين من حضرته في نشره العلم النية وقويت له على تعليمه العزيمة وسنحت له في ذلك رؤية الفضيلة فانبسط في نشر العلم محتسبا وكان في العمل للّه تعالى بذلك مخلصا يرغب إلى اللّه عز وجل في جميل الثواب ويؤمل من اللّه تعالى جميل العائدة في المآب مصحوبا في ذلك بمصادفة الصواب إذا قال نطق بقوة العلم وإذا سكت ، سكت بوقار الحلم وإذا قصد إلى اللسان قرب منال الفهم ، وإذا كثروا عليه أحب نفعهم وإذا تفرقوا عنه نصحهم يؤدي إليهم ما حمل من العلم بلسان فصيح وبيان صحيح بقلب نصوح وقول صادق ولا يعجل على من جهل ولا يجافي من ذل أو خطأ ولا يوافق بالمرآة أحدا يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويحسن إلى من أساء إليه ، ويتجاوز عمن تعدى « 3 » عليه ، لا يريد على شيء من

--> ( 1 ) في ط : عليه . ( 2 ) في ط : رجعوا . ( 3 ) في ط : يتعدى .