الجنيد البغدادي
161
رسائل الجنيد
ذلك أن ألسنة الحكمة لا تنطق إلا من بعد أن يؤذن لها وإذا نطقت وقع النفع لمن أسمع بها وإنما مثل ذلك من فضل اللّه على خلقه ، مثل غيث سمائه الذي إذا أنزله أحيا به ميت أرضه ، أما سمعت اللّه تعالى يقول فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الروم : 50 ] وكذلك يحيي اللّه تعالى بألسنة المحكمة ما أمات الإعراض عنه من قلوب أهل الغفلة . قال العالم لحكيم : أجل إن الذي وصفته كما وصفته وإني أومل من الذي ابتدأتني « 1 » بلسان حكمتك وجاد علي بعطف « 2 » رحمتك أن استنقذني « 3 » من وبال التقصير بدلالتك وتخرجني من ذلة التخلف بمصادفة رؤيتك ، وقد علمت الآن أن أربي إلى التكشف لي عما لزمني من وبال تركي للعمل بعلمي وتخلفي عما أوجبه حق العلم علي وعما استتر في نفسي وانطوى بالاستخفاء في سري ما لم أكن له مدركا ولا بما معي من العلم عليه واقفا وقد أشرفت الآن بقدر ما أيدني اللّه تعالى به منك ومن به علي وكشفه لي بأسبابك على بعض ذلك فبعلمي بالقليل من ذلك علمت أن علي منه كثيرا لم أدركه وخفيا مستنبطا لم أره ولم أعرفه فاكشف لي أيها الحكيم من أمري عما أنت أعلم به منى فإن الطبيب أعلم بداء السقيم من نفسه وأحق أن يصف له من الدواء ما يكون سببا لبرئه . قال الحكيم : قد بدت مطالعات الفهم تلحقك بمعرفة ما عليك من ذلك ولك وبدت أوائل معاني الصحو تلوح لعقلك وبدت أوائل الإفاقة تسنح « 4 » بحركاتها لبعض ما في سرك واعلم أن ضرر الأديان أشر من ضرر الأبدان وسقم الجوارح والأجسام أسهل من سقم القلوب والأفهام ، لأن علل الدين والآفات المعترضة على اليقين سبب للبوار وموردة لأهلها على النار ومؤدية إلى سخط الجبار وما عدا ذلك إلى غيره وكان واقفا فيما سواه من الأمراض والأسقام الكائنة في الجوارح والأجسام فذلك ضرر يؤمل برؤه ويزول مكروهه وشره ويرجى من اللّه تعالى ثوابه وأجره واعلم أن الطبيب العالم المجرب والحكيم الناصح المؤدب أعلم بزيف الأبدان والعلل المخامرة بآفاتها للأديان لأن
--> ( 1 ) في ط : انتدبتني . ( 2 ) في ط : تعطف . ( 3 ) في ط : تستنقذني . ( 4 ) في ط : تسعى .