الجنيد البغدادي
162
رسائل الجنيد
المعبر عنهما يعبر عما يجد من ذاته والواصف مقصر عن بلوغ نعته لذلك مختلف عن الوصف لما هنالك ووصف المتطبب الخبير المجرب البصير يكشف لأهل الأمراض عما وجدوه وينبئهم عن زوال ما فقدوه حتى كان الموصوف بعبارة اللسان منظور إليه بحقيقة العيان وإني أصف لك على أثر ذلك أمورا تقوى لك حالك وتبلغك غاية البغية من سؤالك والقوة باللّه العظيم أعلم أيها المنسوب إلى العلم بوقوع الصحو لك تبين حيرة السكرة وبكون الإفاقة تقف على وقت الغمرة وبصحة الذكر ينكشف لك وبال الغفلة وبالسلامة والعافية يتميز لك وقت العلة فاعلم أن ذلك كله مشغل في حين كونه عن حقيقة معرفته صار لأهله بما لبسهم منه عن وجود حيرته إلا بحملة علم مزاجه ، واللبس والظلمة ليثبت اللّه تعالى بذلك عليهم الحجة فخل عن نفسك أيها المعنى بها والحريص على تعجيل استنقاذها وبال السكرة والغمرة والغفلة والحيرة باستعمال ما أصفه لك والإسراع إلى ما أحسك عليه والمبادرة إلى ما أشير به إليك فإن صحة الصدق وجودة القصد يؤديانك إلى المحل الذي هو باب المدخل فيما تحبه والمخرج مما تكرهه . ولن يحجبك عن بلوغ ما تريد والقوة باللّه إلا بتقصيرك عن المجاهدة في واجب حق السعي عليك فأحذر ثم أحذر أن تكون على شيء من ذلك مقصرا أو ألقاك وقتا وأنت عنه فاترا راجع فإن مطيتك الموصلة لك إلى بغيتك صدقك في إقامة المناصحة في محل مجاهدتك فقد أوقفتك على وجه المنهج والمدرجة وقربتك من المسير على أوضح المحجة . واعلم أيها الرجل الحاذر المحسوس المبادر أن الإقامة المانعة لك ولنظرائك بعد الحمل للعلم وطول السعاية فيه ودوام العناية بجمعه والاستكثار من الحمل له الميل إلى التأويل والدخول به فيما خفي من النفس من الميل إلى الدنيا والركون إليها وهم في ذلك على معاني مختلفة فمتأول متبين الإغماض والإعراض فيما استكن في خفايا نفسه فمضى فيه على ما عليه منه والعلم بنكته ولا يتركه في كثير من الأوقات ويستتر ذلك عليه في بعض أوقاته ، ومتأول قصد قصد الصحة والتحقيق فيما تأوله ولحقه في ذلك الميل من حيث لم يستدركه وانطوى عليه ما عليه فيما قصد له وكان عنده إن الذي عمد له وتأوله أولى به من غيره فمضى على ذلك