الجنيد البغدادي

150

رسائل الجنيد

الحق بالحق في ذلك موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ولا يجد سواه ، فقد كان واجدا محيطا شاهدا عليهم بدأهم في حال فنائهم الذين كانوا في الأزل للأزل أولئك هم الموجودون الفانون في حال فنائهم الباقون في بقائهم أحاطت بهم صفات الربانية وآثار الأزلية وأعلام الديمومية . أظهر هذه عليهم لما أراد فناءهم ليديم بقاءهم هناك وليفسحهم وليريهم في علم الغيب غيبه وليريهم غوامض مكنونات علمه ويجمعهم به ثم فرقهم ثم غيبهم في جمعهم وأحضرهم في تفريقهم فكان غيبهم سبب حضورهم وحضورهم سبب غيبهم . اختطفهم بالشواهد البادية منه عليهم حين أحضرهم واستلبهم عنها حين غيبهم أكمل فنائهم في حال بقائهم وبقاءهم في حال فنائهم أحاطت الأمور بهم حين أجرى عليهم مراده من حيث يشاء بصفته المتعالية التي لا يشارك فيها فكان ذلك الوجود أتم الوجود وهو أولى وأعلى وأحق بالقهر والغلبة وصحة الاستيلاء على ما بدا منه عليهم حتى يمحى أثرهم ويمتحى ( رسومهم ويذهب ) « 1 » وجودهم إذ لا صفة بشرية ولا وجود معلومية ولا أثر مفهومية ، إنما هي تلبيسات على الأرواح ما لها من الأزلية ذوق وجود نعيم لا كالنعيم مستحيلة في المعاني متفقه الأسامي متصادقة في ذوق نعيمها ، متلونة في رسوم شواهدها تبدو بنعيمها في طوالع شواهدها وتتلون من ذوق مرارات طعمها لهج أفكارهم في محبوبهم ولزمت أذكارهم في أسرارهم هاجت عليهم عند ذلك بحار الغيرة تتلاطم أمواجها عظم البلاء على تصفحهم لواردها واضمحلت نفوسهم عند توقعهم إياها وقام عليهم كل معلوم نكرا وثبت كل نكر معلوما برزوا بعلم الحقيقة لنداء « 2 » الحق حين أوجدهم ، حقيقة الحق نسبة منه لا إلى الواجد لها كان ذلك كمال الجهد لديه ثم لم يجعل لبلائهم أسامي ليستريحوا ولا لجهدهم معلوما فيتنعمون شغل بعضهم عن بعض وأفرد بعضه عن بعض فهم في حضورهم فقد وفي متعهم بالمشاهدة كمال الجهد لأنه قد محا عنهم كل رسم ومعنى يجدونه بهم ويشهدونه من حيث هم لما استولى عليهم فمحاهم وعن صفاتهم أفناهم وإنما

--> ( 1 ) ما بين القوسين لا يوجد في خ . ( 2 ) في ط : لدى .