الجنيد البغدادي

151

رسائل الجنيد

معنى ذلك أن تؤدى الحقيقة من الحق ما يشاء كيف أثبت بهم وعليهم وقام عنهم بما لهم وثبت دواع ذلك عليهم وفيهم من جنس كماله وتمامه فوجد النعيم من غير جنس النعيم ووجد البلاء في معلوم النعيم ووجد الوجود في غير سبيل الوجود باستتار الحق واستيلاء القهر . فلما فقدت الأرواح النعيم الغيبي الذي لا تحاسه النفوس ولا تقارنه الحسوس ألقت فنائها عنها وطرحتهم في مفاوز مهلكات بلواها ثم ألفت بعد الفهم للفناء فناء لأن لا يجدوا طعم معلوم ولا يستريحوا إلى موجود ، ( امتلأ بهم ) « 1 » بلا إشارة إلى صفاتهم ، ولا رسوم من رسوم الموصوفات إلى البواعث منه إليها ، وامتحت شواهده في الآثار حين لا يوجد السبيل إلى درك الشفاء على خالص الوجود المستولى عليه من الحق تعالى كذلك من في صفته العليا وقوة شاهده بوارد سلطانه وإنما جرت البلاء على أهل البلاء حين جاذبوا وقاموا وثبتوا ولم ينخدعوا أقيم عليهم ما محقهم في نفس القوة وعلو المرتبة وشرف المنزلة وسنا النسبة ثم أحضرهم الفناء في فنائهم وأشهدهم الوجود في وجودهم ( سترا خفيا وحجابا لطيفا ) « 2 » أدركوا به عظم الفقد وشدة الاستينار ما لا يليق العلم ولا تليق « 3 » الآثار بصفته فطالبوه فيما كان مطالبهم ومانعوه ما كان ممانعهم وتعرفوا منه ما عرفوه إليهم لا بهم حلوا بمحل القوة ومالوا حقائق الحظوة ، وتعالوا إلى حقيقة الحضرة فأقام عليه شاهدا منه فيهم ، وأدركوا منه به ما أدركوا ، وأوقف كل واحد منهم عند إدراكه وأفرد كل ما أنفرد منه تعالى اللّه عن صفة الخلائق وعز أن تشتبه الخلائق علوا كبيرا . تم بحمد اللّه ومنّه . * * *

--> ( 1 ) هكذا في الأصل . ( 2 ) ليست في خ . ( 3 ) ليست في خ .