الجنيد البغدادي

14

رسائل الجنيد

ولما صنف عبد اللّه بن سعيد بن كلاب كتابه الذي رد فيه على جميع المذاهب سأل عن شيخ الصوفية ، فقيل له الجنيد : فسأله عن حقيقة مذهبه فقال : مذهبنا إفراد القدم عن الحدث وهجران الإخوان والأوطان ونسيان ما يكون وما كان ، فقال ابن كلاب : هذا كلام لا يمكن فيه المناظرة ، ثم حضر مجلس الجنيد ، فسأله عن التوحيد ، فأجابه بعبارة مشتملة على المعارف ، ثم قال : أعد عليّ لا بتلك العبارة ، ثم استعاده الثالثة ، فأعاده بعبارة أخرى ، فقال : أمله عليّ . فقال : لو كنت أجرده كنت أمليه ، فاعترف بفضله « 1 » قال أبو محمد الجريري : سمعت الجنيد يقول : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ، بل عن الجوع وترك الدنيا ، وقطع المألوفات . قلت : هذا حسن ، ومراده : قطع أكثر المألوفات ، وترك فضول الدنيا ، وجوع بلا إفراط ، أما من بالغ في الجوع كما يفعله الرهبان ، ورفض سائر الدنيا ، ومألوفات النفس من الغذاء والنوم والأهل ، فقد عرّض نفسه لبلاء عريض ، وربما خولط في عقله ، وفاته بذلك كثير من الحقيقة السمحة ، وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا ، والسعادة في متابعة السنن ، فزن الأمور بالعدل وصم وأفطر ، ونم وقم ، والزم الورع في القوت ، وارض بما قسم اللّه لك ، واصمت إلا في خير ، فرحمة اللّه على الجنيد ، وأين مثل الجنيد في علمه وحاله « 2 » ؟ وتفسير الجريري - آنف الذكر - يوضح لنا نهج الجنيد ، فالتصوف عنده يمثل المنهج الإسلامي المعتدل المتوازن بلا إفراط أو تفريط ، وليس كما يعتقد البعض خطأ أن المقصود ترك الدنيا بالكلية ، أو الجوع لدرجة الهلاك ، ومن هنا نقول إن الجنيد يمثل مدرسة معتدلة في التصوف الإسلامي كان لها أثرها فيما بعد بلا غلو أو تفريط . وعن موقف الجنيد من العقل ، قال عنه جعفر الخلدي : سألته عن مسألة العقل فقال : يا أبا محمد من لم يحترز بعقله من عقله لعقله هلك بعقله « 3 » .

--> ( 1 ) ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، ج 2 ، ص 229 . ( 2 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، الجزء الرابع عشر ، تحقيق أكرم البوشي ، مؤسسة الرسالة ، ص : 70 ( 3 ) ابن العماد : شذرات الذهب ، الجزء الأول ، ص : 228 .