الجنيد البغدادي
15
رسائل الجنيد
وعن إسقاط الأعمال والتكاليف الشرعية وتركها ، يحذرنا الجنيد من الفتنة بهذا ، بل يجرمها ، وشاهدنا في هذا هذه الرواية : يقول أبا بكر : سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة ، فقال : « أهل المعرفة باللّه يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقوى ، إلى اللّه تعالى » . فقال الجنيد : إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهذه عندي عظيمة ، والذي يسرق ويزني ، أحسن حالا من الذي يقول هذا ، وإن العارفين باللّه ، أخذوا الأعمال عن اللّه ، وإليه رجعوا فيها ، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال دونها ، وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي « 1 » ويربط الجنيد بين المحبة وطاعة اللّه ، فكما جاء في الرواية : سمعت أبا علي محمد بن إبراهيم البزار يقول : سمعت أبا عمرو الزجاجي « 2 » يقول : سألت الجنيد عن المحبة ، فقال : تريد الإشارة ؟ ! قلت : لا ! قال : تريد الدعوى ؟ قلت : لا ! قال : فأيش تريد ؟ ! قلت : عين المحبة . فقال : أن تحب ما يحب اللّه تعالى في عباده ، وتكره ما يكره اللّه تعالى في عباده « 3 » . وكان الجنيد رحمه اللّه من الذاكرين ، يدعو إلى تصفية القلوب مما خالطها من شوائب ، لتخلص إلى المولى تبارك وتعالى ، فكما جاء في هذا الصدد : عن أبي الفتح الزاهد ببغداد يقول : سمعت جعفر بن محمد نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : « إن اللّه تعالى يخلص إلى القلوب من بره ، حسب ما خلصت به إليه من ذكره ، فانظر ماذا خالط قلبك » « 4 » . وكان أيضا رحمه اللّه حاله مطابقا لعلمه وعلمه مطابق لحاله ، قال عنه الخلدي : رأيته في النوم فقلت : ما فعل اللّه بك ، فقال : طاحت تلك الإشارات ، وغابت تلك العبارات ، وفنيت تلك العلوم ، ونفدت تلك الرسوم ، وما نفعنا إلا
--> ( 1 ) السلمي : طبقات الصوفية تحقيق نور الدين شريبه ، الناشر الخانجي ، ص : 159 . ( 2 ) محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد أبو عمرو الزجاجي ، النيسابوري صحب أبا عثمان والجنيد والنوري والخواص وغيرهم ، توفى سنة 348 ه . ( 3 ) السلمي : المرجع السابق ، ص : 163 . ( 4 ) المرجع السابق نفسه ، ص : 157 .