الجنيد البغدادي

120

رسائل الجنيد

البقاء في دار الغرور ، فأسرعوا إلى حذف العلائق الشاغلة عن مسابقة الخدم ، وتجرعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه في معاملته ، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه ، وهانت عليهم المصائب ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، واغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح ، وأماتوا شهوات النفوس ، وسجنوا همومهم عن التقلب إلى مذكور سوى وليهم ، وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مرآة الغفلة ، وأقاموا عليها رقيبا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذرة من بر ولا بحر ، ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط به خبرا ، فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها ، واستبقت منافسة لأبناء جنسها ، نفوس ساسها وليها وحفظها بارئها ، وكلأها كافية . فتوهم يا أخي إن كنت ذا بصيرة ماذا يرد عليهم في وقت مناجاته ، وماذا يلقونه من نوازل حاجاتهم ، تر أرواحا تتردد في أجسادها أذابتها الخشية ، وذللتها الخدمة وتسربلها الحياء ، وجمها القرب ، وأسكنها الوقار ، وأنطقها التذكار ، وخالفها السهر ، وأنطقها الحذر ، أنيسها الخلوة ، وحديثها الفكرة ، وشعارها الذكر ، شغلها باللّه متصل ، وعن غيره منفصل ، لا تتلقى قادما ، ولا تشيع ظاعنا ، غذاؤها الجوع والظمأ ، وراحتها التوكل وكنزها الثقة ومعولها الاعتماد ، ودواؤها الصبر وقرينها الرضا . نفوس قدمت لتأدية الحق ، ورقيت لنفيس الكلام ، وكفيت مؤنة ثقل المحن ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ الأنبياء : 103 ] وقوله سبحانه وتعالى : نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [ فصلت : 31 ، 32 ] . وينبغي للعاقل ألا ينفك من إحدى ثلاثة مواطن موطن . يعرف فيه حاله أمتزايد هو أم منتقص ، وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه وإلزامها ما يلزمها ، وموطن يستحضر عقله مجارى التدبير وكيف تختلف به الأحكام إناء الليل والنهار ، ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير إلا بأحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين .