الجنيد البغدادي

121

رسائل الجنيد

فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه أمتزايد هو أم منتقص فعليه أن يطلب مواضع الخلوة كي لا يعارضه شاغل فيفسد ما يريد إصلاحه ، ثم يتوجه إلى موافقة ما لزم من تأدية الفرض الذي لا يزكو حال قربه إلا بإتمام الواجب من الفرائض ، ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي ربه يريد أن يؤدى إليه ما أمر بتأديته فحينئذ ينكشف له من خفايا النفوس الموارية فيعلم أهو ممن أدى ما وجب عليه أم لم يؤد ، ثم لا يبرح من مقامه ذلك حتى يوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم ، فإن رأى خللا أقام على إصلاحه ولم يتجاوزه إلى عمل سواه . وهذه أحوال أهل الصدق في هذا المحل ، واللّه يؤيد بنصره من يشاء ، إن اللّه لقوي عزيز . وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه ويتقصى فيه حال معرفتها فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك وأراد المناصحة في المعاملة فإن النفوس ربما خبت منها أشياء لا يقف على حد ذلك إلا من تصفح ما هنالك في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف ، فإن النفوس إذا ألفت فعل الخير صار لها خلقا من أخلاقها ، وسكنت إلى أنه موضع لما أهلت له وارتدت به ، وترى أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل ، ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له السبيل على مجارى الدم فيها ، فيرى بقوة كيده خفية غفلتها ، فيختلس منها بممايلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال ، ألم تألم لو عرف طعنته أسرع إلى الإنابة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به ، واستصقى منه علم الحال التي منها وصل عدوه إليه فحرسها بلياذة اللجأ وإلقاء الكنف وشدة الافتقار وطلب الاعتصام كما قال الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام " : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [ يوسف : 33 ] وعلم يوسف عليه السلام أن كيد الأعداء مع قوة الهوى لا ينصرف بتقوى : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ يوسف : 34 ] . وأما الموطن الذي يستحضر عقله لرؤية مجارى الأحكام وكيف يقلبه التدبير ، وهو أعز الأماكن وأعلى المواطن ، فإن اللّه تبارك وتعالى أمر جميع خلقه