أحمد الخراز البغدادي

68

كتاب الصدق أو الطريق السالمة

الصالحون ، ثم ، الأمثل ، فالأمثل » « 1 » . يبتلى العبد حسب دينه : فإن كان في إيمانه قوة شدد عليه البلاء ، وإن كان في إيمانه ضعف خفف عليه البلاء . فالأنبياء ، عليهم السلام : بادأهم الحق ، عزّ وجلّ ، بكرامة الرسالة ، وبشرهم بالنبوة ، ثم حمل عليهم البلاء ، فاحتملوا البلاء ، بقدر الكرامة التي أكرمهم بها ، حتى راضهم « 2 » بالبلاء ، وتفقهوا فيه ، وبه صبروا للّه ، عزّ وجلّ ، حتى نصروا . والمؤمنون : قامت لهم الرغبة في ثواب اللّه ، عزّ وجلّ ، الذي وعدهم ، والرهبة من عقابه الذي به تواعدهم ، فصبروا للّه تعالى ، وأخلصوا وصدقوا ، فشكر اللّه تعالى ، لهم ذلك ، وأظهر برهانهم على الخليقة ، فجعلهم علماء يقتدى بهم ، وأسكن اليقين قلوبهم . ثم إن المؤمنين ، بعد ذلك على وجهين : فمنهم : من يبدؤه اللّه تعالى ، بالنعمة والمنة والموهبة ، فيهب له الإنابة ، ويحبب إليه البر ، ويسهل عليه الطاعة ، ويبدأه بالمنن الكثيرة . فإذا تمكن الروح في قلبه ، واستعذب الأعمال الصالحة ، حمل عليه ، بعد ذلك البلاء ، والاختبار ، والمصائب ، والضراء ، والعسر ، والشدة نعم . ثم تؤخذ منه الحلاوة التي كان يجدها ، والنشاط في البر ، فتثقل عليه الطاعة بعد خفتها ، ويجد المرارة بعد الحلاوة ، والكسل بعد النشاط ، والكدر بعد الصفاء ، وذلك لعلة البلوى والاختبار ، فتعتريه الفترة « 3 » . فإن جاهد الآن وصبر واحتمل المكروه ، صار إلى حدّ الراحة والبلوغ ، وأضعف له البر ظاهرا وباطنا ! وهكذا يروى في الحديث : « إن لكل شرة « 4 » فترة ، فمن كانت فترته إلى سنة « 5 » : فقد نجا ، ومن كانت فترته إلى بدعة « 6 » : فقد هلك » .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 1 / 172 ) ، وابن ماجة في ( السنن 4024 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 3 / 372 ) . ( 2 ) راض المهر روضا ورياضة : ذلّله وعلّمه السير فهو رائض ( ج ) روّاض ، وراضة . ( 3 ) الفترة : جمع فترات ، وهي حالة مرضية ، أو ما بين النوبتين من الحمى ، أو الانكسار والضعف . ( 4 ) الشّرّة : الحدّة . وشرة الشباب : نشاطه . ( 5 ) السّنّة : الطريقة والطبيعة ، والشريعة . وسنّة اللّه : أحكامه في خليقته ، وسنة النبيّ : ما ينسب إليه من قول أو فعل أو تقرير ( ج ) سنن ، وأهل السّنة : من يأخذون بالمأثور في الشريعة ومن تابعهم . ( 6 ) البدعة : ما استحدث في الدين وغيره ( ج ) بدع .