أحمد الخراز البغدادي

69

كتاب الصدق أو الطريق السالمة

وقال أبو بكر الصديق ، رضي اللّه عنه : « طوبى لمن مات في النأنأة بدء الإسلام وشرته » . ويروى في الحديث : « إن اللّه ، عزّ وجلّ ، يأمر جبريل ، عليه السلام ، فيقول : اقبض حلاوة الطاعة من قلب عبدي ، فإن تأسف عليها فردها عليه وزده ، وإلا فدعه » ! ويروى في حديث آخر : « إنّ اللّه ، عزّ وجلّ ، يقول : إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا ركن إلى الدنيا : أن أنزع حلاوة مناجاته إياي من صدره ، وأن أدعه في الدنيا حيران » . وفي خبر آخر : « إنّ العبد إذا ركن إلى الدنيا ، بعد العلم والمعرفة ، والعلم بالبصيرة ، يقول اللّه ، عزّ وجلّ ، لجبريل عليه السلام : أنزع حلاوة مناجاته إياي من صدره ، وأعطه من الدنيا مقصما يشتغل به عني » . أما العبد الثاني : فإنه يبدأ بالصدق ، والأعمال الصالحة ؛ وأخلاق الصدق ، ثم يعمل في ذلك ما شاء اللّه ، عزّ وجلّ ، فتأتيه الكرامة بعد ذلك ، فيعطيه اللّه تعالى ، ما لم يرجه ويحتسبه : وهكذا عامة البدلاء : لا تأتيهم الآيات والكرامات إلا من بعد العمل وبذل الجهد ، وأكثر ما لم يحتسبوا : ما أتاهم اللّه تعالى ، به ، حين بدأهم اللّه ، عزّ وجلّ به . ومنهم : من اطلع على القوم وقيل له : إنك منهم ، فعمل بعد أن أخبر بذلك . ومنهم : من يعرف نفسه ولا يعرف غيره . ومنهم : من يعرف الجميع بأسمائهم وقبائلهم . فإن كنت ، أيها السائل عن الصدق وشرح الطريق : قد عملت في الصدق ما ذكرته لك من العلم ، وباشرت هذه المنازل ، ونزلت هذه المراحل ، وقطعت هذه الأسباب التي ذكرناها ، فأفضيت منها إلى الراحة والسكون والطمأنينة ، فأنت محاط بالعصمة ، وماض على سبيل الاستقامة والمحجة البيضاء ، التي توردك على اللّه ، عزّ وجلّ ، فهنيئا لك ، وبارك اللّه فيك ، فأنت من أمرك على بصيرة . فإن كنت : قد باشرت الصدق ، وعملت في كل مقام البر بقدر طاقتك وما أذن اللّه تعالى ، لك ، وعاينت الأمور ، فعسى أن يكون اللّه قد رآك ، وقد أبليت فيما بينك وبينه ، عذرا لرغبتك في التقرب إليه ، فصح إليه افتقارك ، حين علمت أنه لا بدّ لك منه ؛ فألقيت كنفك « 1 » بين يديه ، فعسى أن يكون قد رآك في بعض الأوقات إليه قاصدا راغبا ، بنية صحيحة وعزم صادق ، علم أنك : لا تمل ولا تبرح من التعرض له دون بلوغ مناك ، فجاد لك ببره ، وأعطاك بعض الأمل منه ، بل جذب قلبك إليه جذبة ،

--> ( 1 ) الكنف : الجانب والناحية .