يحيى بن معاذ الرازي

91

جواهر التصوف

128 - « إنما صار الفقراء أسعد حالا علي الذكر من الأغنياء لأنهم في حبس الله ، ولو أطلقوا من حصار الفقر لوجدت من ثبت منهم على الذّكر قليلا . » [ الحلية : 10 / 63 ] . * قالوا : للفقر اسم ورسم وحقيقة : رسمه إفلاس اضطراري ، وحقيقته الإقبال الاختيارىّ . قال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ [ المعارج : 19 - 22 ] ، هذه هي طبيعة النفس ، فالنفس إذا أصابها الشّرّ جزعت وإلي ربها لجأت ترجو رحمته ، قال تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ [ يونس : 12 ] ولما فرّج الله همّه وأوسع عليه في رزقه نسي فضل الله عليه بل نسب الأمر إلي نفسه ، قال تعالي : فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 49 ] . وإن من النفوس ما يكون صلاح أمرها في الفقر والضيق ، ولو فرّج عنها لسار أغلبها مع هوي نفسه وابتعد عن منهج الله القويم ، ولم يثبت عليه إلا القليل ، قال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 ، 7 ] ، أي رأى نفسه قويا مستغنيا عن الحق ، قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 27 ] ، وقال شقيق بن إبراهيم : لو أن الله رزق العباد من غير كسب لتفرّغوا فتفاسدوا ، ولكنه شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد . والحديث المروى أنّ من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه » [ تفسير ابن كثير - سورة الشورى ] . * وقالوا : إن الفقر هو فراغ القلب من الغير ( أي من غير الله ) ، والغنى : انشغال القلب بالله ، ولكن متى فرغ القلب من الغيريّة فلا يهم إن كان صاحبه غنيا أو فقيرا » وقالوا أيضا ليس الفقير من خلا من الزاد ، إنما الفقير من خلا من المراد » . ، . وقال أحدهم معلّقا عن دوام الاضطرار ولزوم الفقر والافتقار يناجى الحقّ : إنّى إليك مدى الأنفاس محتاج * لو كان في مفرقي الإكليل والتاج * * * 129 - « ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص ، ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا حريصين على طلب الجنة ، فقراء إلى ربهم ؛ والمنافق حريص علي الدنيا فقير إلى الخلق . » ( الحلية : 10 / 66 ] * الحرص : شدّة الرّغبة في الشئ .