يحيى بن معاذ الرازي

92

جواهر التصوف

* عقد شيخنا يحيى موازنة بين المؤمن والمنافق في مجالين اثنين . الفقر والغنى ؛ فالمؤمن من منطلق إيمانه بغنى ربه فهو مفتقر إليه في كل أموره ساع في مرضاته للفوز بالجنة حريص على ذلك كلّ الحرص ، بينما نجد المنافق حريصا على الدنيا ؛ فهي منتهى مناه ومبلغ رضاه ، يكالب طلابها ويداهن من بيدهم أسبابها في سعى دائب ، ولا ينال منها إلا ما قسمه الله له . * * * 130 - « ذنب أفتقر به إليه أحبّ إلىّ من عمل أدلّ به عليه » [ الكواكب الدرية : 1 / 272 ] 131 - « ذنب افتقر به إليه أحب إلىّ من طاعة أفخر بها عليه . » [ صفة الصفوة : 4 / 91 ] . 132 - « ذنب أتذلّل به بين يديه أحب إلىّ من طاعة أدلّ بها عليه . » [ اللمع : 507 ] . * الذّلّ والافتقار من صفات العبودية ، أما العزّ والاستكبار فهما من صفات الربوبية ، يقول يحيى بن معاذ ما معناه إن وقوفه بين يدي ربه مستغفرا من معصية جناها في ذلّ وافتقار إلى عفو ربه خير وأحبّ إلى قلبه من إدلاله بطاعة على ربّه قال تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الحجرات : 17 ] أي المنة لله عليكم بأن هداكم أولا ؛ للإيمان إن صحّ زعمكم . فالكلّ عبيد لله . . والكل فقير إليه ملتمس رضاه في كل الحالات ؛ فالواجب أن لا يستخف العبد فرحه بطاعته فيتجاوز حدود العبودية التي أنعم الله بها علي عباده إلي حد الإدلال على الله والمن عليه ، بل الواجب الشكر لله أن هداه إلى هذا ، وما كان ليفعلها لولا أن مكّنه الله ، وهذا عندي عين الافتقار - والله يحب أن يرى أثر نعمته علي عباده وهي التلبّس بالعبودية . دخل رجل في ليلة العيد على أبى الحسين النوري وكان في المسجد وقال له : أيها الشيخ ، غدا العيد ، ما ذا أنت لابسه ؟ فأنشأ الشيخ يقول : قالوا : غدا العيد ماذا أنت لابسه * فقلت : خلعة ساق عبده جرعا فقر وحب هما ثوباى تحتهما * قلب يرى ربّه « 1 » الأعياد والجمعا أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بها * يوم التّزاور في الثّوب الذي خلعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملى * والعيد ما دمت لي مرأى ومستمعا « 2 »

--> ( 1 ) وفي رواية يرى إلفه . ( 2 ) وقيل إن الأبيات من نظم أبى على الروزبارى .