يحيى بن معاذ الرازي
74
جواهر التصوف
أيضا في محبة العباد لربهم : إنها محبّة أوامره ونواهيه وتحصيل مراضيه . وعلى ذلك فإن اللّه إذا رضى على قوم غفر لهم السيئات ، وإذا غضب على قوم لم يقبل منهم الحسنات ، والمثال في ذلك من قصة أكل أبينا آدم عليه السلام من الشجرة المنهىّ عنها . . فإبليس كان محرّضا ، وآدم كان منفّذّا . . فتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه . . وبقي إبليس مغضوبا عليه ملعونا إلى يوم الدّين . ومن دعاء أبى الحسن الشاذلي رحمه اللّه : واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت ؛ فالإحسان لا ينفع مع البغض منك ، والإساءة لا تضرّ مع الحبّ منك . وقال أبو سليمان الدارانى : « ليس أعمال الخلق بالذي يسخطه ولا بالذي يرضيه ، إنما رضى عن قوم فاستعملهم لعمل أهل الرضا ، ، وسخط على قوم فاستعملهم بعمل أهل السخط » . انتهى . كما أن الندم والتوبة والاستغفار بعد الذنب ثوابها أكثر وأكبر من بعض الطاعات . * * * 98 - « كم من مستغفر ممقوت ، وساكت مرحوم ؛ هذا استغفر اللّه وقلبه فاجر ، وهذا ساكت وقلبه ذاكر » [ صفة الصفوة : 4 / 93 ] . * يدعونا شيخنا يحيى إلى عدم الاغترار بالمظاهر ؛ فالأول يستغفر اللّه بلسانه ، ولكن اللّه يمقته لأنه يجد في قلبه حلاوة المعصية التي يستغفر اللّه منها ، أو يقولها . . والثاني ساكت تحسبه لاهيا ولكن قلبه مشتغل بذكر اللّه . * * * 99 - « ذنب أفتقر به أحبّ إلىّ من طاعة أعجب بها . » * إعجاب المرء بطاعته يحبطها كما يمقته اللّه من أجل اعتماده على طاعته ؛ وإعجابه بها يجعله يتكبر بفعلها ، ويستصغر من الخلق من لا يفعلها ، وهو مخطئ في كل هذا ؛ إذ لا سبيل إلى الطاعة إلا بتوفيق اللّه له . فهو جل جلاله - مبدأ الخيرات ومنتهاها ، قال تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ النور : 21 ] ، وقال تعالى : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] . وكان الأولى بالعبد المعجب بطاعته أن يردّ الأمر إلى صاحب الأمر ، فيحمد اللّه أن وفّقه إلى هذا ، يقول الشاعر الحكيم :