يحيى بن معاذ الرازي

7

جواهر التصوف

عن دائرة الزهد ؛ إذ في العصر المبكّر ( يقصد القرنين الأول والثاني الهجريين ) لا يستطيع أحد أن يفصل الزّهد عن التصوف ويميز بينهما ، بل إن كثيرا من المسلمين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الصوفية ( حتى القرن الثالث الذي ظهرت فيه التفرقة بين الزهد والتصوف واضحة جلية ) لم يكونوا في الحقيقة إلّا زهادا على حظّ قليل جدا من التصوف [ مدخل إلى التصوف الإسلامي : 95 ] . * ويقول ابن خلدون في مقدمته : « إن التصوف من العلوم الشرعية الحادثة في الملة ( أي كعلم ) وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى اللّه تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزّهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامّا في الصّحابة والسّلف . فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا - اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة » [ المقدمة ج 3 / 106 ] . * فلقد اتسعت رقعة البلاد الإسلامية في عهد الدولة العربية ( أمويين ومروانيين 40 - 132 ه ) وامتلأت خزائن الدولة بالأموال وعمّ الرخاء ، وعاش الخلفاء الأمويون في رفاهية ومن بعدهم العباسيّون ، والناس على دين ملوكهم ، مما جعل بعض الناس يفكّرون في العودة إلى ما كانت عليه حياة الصحابة ، والعهد بهم قريب من حياة التقشّف والزهد ، وكان هذا ردّ فعل لما انتشر في أيامهم من تجاوزات في الرفاهية ؛ حتى لتذكر لنا كتب السّير أن أحدهم قدّم على مائدته يوما لضيوفه طبقا من ألسنة الطيور ! * والزهد كان موجودا عند الصحابة ، كما أن التصوف العملي - وهو أخذ النّفس بالشّدّة في الالتزام بشرع اللّه ، وسنّة رسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، والاجتهاد في العبادة - كان سلوكا لكثير من الصحابة دون أن يعرفوا لفظة التصوف أو المتصوفة . . . وليس معنى تأخر ظهور اسم التصوف والمتصوّفة بعد العصر الأول أنه بدعة كما يتشدق بذلك بعض المتفيقهين ؛ وإلّا كانت أسماء مؤسساتهم التي أقاموها ، ولم تكن معروفة في العصر الأول - بدعة أيضا ، أمّا كون الزهاد والعباد في صدر الإسلام لم يكن لهم تسمية سوى « الصحابة » ، فذلك لأنه لا أفضل من هذه التسمية ، وكذلك تسمية من صحب الصحابة بالتابعين . . وهذه بالنسبة لهم نسبة شريفة أيضا . * أعلام في حياة شيخنا يحيى بن معاذ : * نبدأ هذا الموضوع برؤيا رآها ؛ قال يحيى : « رأيت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في النوم ، فقلت له : أين أطلبك ؟ قال : عند علم أبي حنيفة » . . ولماذا علم أبي حنيفة دون غيره من الأئمة الأربعة ؟ وقد انتشرت مذاهبهم في حياة شيخنا يحيى وقبل ذلك ، فآخرهم وفاة كان الإمام أحمد المتوفى 241 ه ، قبل