يحيى بن معاذ الرازي
61
جواهر التصوف
وإن رجا عفو ربه عنها كسب أخرى . . وعن صهيب رضى اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كلّه له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سرّاء شكر ، وكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيرا له » رواه أحمد ومسلم . * * * 76 - « أوثق الرّجاء رجاء العبد بربّه ، وأصدق الظّنون حسن الظّنّ باللّه » [ الحلية 10 / 58 ] . * أوثق الرجاء رجاء العبد بربه ، ففي الحديث القدسي : « أنا عند ظنّ عبدي فليظن بي ما شاء » ( صحيح الجامع الصغير ) . قال القرطبي في المفهم : معنى ظن عبدي : ظن الإجابة عند الدعاء ، وظن القبول عند التوبة ، وظن المغفرة عند الاستغفار ، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسّكا بصادق وعده . * وأصدق الظنون حسن الظن باللّه ، والحديث القدسي : أنا عند ظن عبدي بي ؛ إن ظنّ خيرا فله وإن ظن شرّا فله » ويفهم من هذا الحديث أن المعاملة تدور مع الظن ، فإذا حسّن العبد ظنّه بربه ، وفىّ له بما أمّل وظنّ ، . . وإن ظن شرا فالعقوبة إليه سريعة والمقت له كائن . وذلك لأن أعظم الذنوب عند اللّه إساءة الظنّ به ؛ فقد ظن به خلاف كما له المقدّس ، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته ؛ قال تعالى مخاطبا من أنكر صفة من صفاته : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [ فصلت : 22 ، 23 ] . * حسن الظن لا يتولد من فراغ ؛ بل هو نتيجة لحسن العمل ، فإن العمل الصالح يزيد الإيمان ، في القلب ؛ فإذا عرض للعبد الصالح أمر وهجست له النفس ؛ تحرك في القلب نور الإيمان يرفع راية التوحيد للحق الكريم القادر فتهدأ النّفس ويطمئن القلب ويحسن الظن باللّه . . وعلى النقيض من ذلك ، من ساء عمله ساءت نفسه وأظلم قلبه . . وقالوا : إنّ حسن الظن من حسن العمل ، وأيضا : فإن حسن العمل من حسن الظن باللّه ؛ فمن حسن ظنّه بربه حسن عمله . * * * 77 - « من لم يحسن باللّه ظنّه لم تقرّ باللّه عينه » [ التعرف : 31 ] . * لا تقرّ للعبد عين إلا إذا كان اللّه عنه راضيا ؛ فإنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ، وكيف تقر عين العبد وقد أساء الظنّ بربه ، ولم ينزهه التنزيه الكامل - سبحانه - بل اتهمه في بعض صفاته ،