يحيى بن معاذ الرازي
60
جواهر التصوف
الباب السابع الرّجاء - حسن الظن باللّه 75 - قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : « لا يقع من المؤمن سيئة إلا وهو يخاف أن يؤخذ بها ، والخوف حسنة ، ويرجو أن يعفى له عنها ، والرّجاء حسنة » [ المختار : 239 ] * الرّجاء : تعلّق القلب بشئ مرغوب ممكن ، مع الأخذ بالأسباب . . وهو على ثلاثة أقسام : رجاء في اللّه ، ورجاء في سعة رحمة اللّه ، ورجاء في ثواب اللّه . وقال أبو بكر الوراق : « الرجاء ترويح من اللّه لقلوب الخائفين ، ولولا ذلك لتلفت نفوسهم وذهلت عقولهم » . ومن حديث أنس رضى اللّه تعالى عنه فيما يرويه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن اللّه جل وعلا : « يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة » . * قال تعالى في وصف المؤمنين : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [ السجدة : 16 ] وقال تعالى : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزمر : 9 ] . والعبد في فراره إلى اللّه تعالى يحتاج إلى الخوف والرجاء معا ، ولا غنى له عن واحد منهما ، كما لا غنى للطائر عن أحد جناحيه في الطيران . . وذلك لأن الخوف وحده يدعو إلى اليأس وتثبيط الهمّة قبل الوصول إلى الغاية ، وذلك لرؤية التقصير في الأعمال ؛ فإن لم يلحقه الرّجاء وحسن الظنّ باللّه توقفت المسيرة ؛ كما أن الرجاء وحده يميل بصاحبه إلى الكسل عن العمل والتسويف فيه ، ولا يستحثه على العمل إلا الخوف . . . وقال سهل : الخوف ذكر ، والرّجاء أنثى ؛ أي أنه منهما يتولّد الإيمان ، وقال : إذا خاف العبد غير اللّه ورجا اللّه تعالى ، أمّن اللّه خوفه وهو محجوب . فائدة : يقدمها لنا ابن عطاء اللّه السكندرى قال : إذا أردت أن يفتح عليك باب الرجاء ( أي يغلب عليك حال الرجاء ) فاشهد مامنه إليك ( أي تذكر ما أفاضه اللّه عليك من فضل ونعم وإسعاف وألطاف ) وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه ( أي يتذكر العبد المعاصي التي ارتكبها وسوء الأدب بين يديه ) . * وهكذا شأن المؤمن ، له في كل أمر خير . . حتى السيئة إن خاف أن يؤخذ بها كسب حسنة ،