يحيى بن معاذ الرازي
6
جواهر التصوف
الأنبياء ، والثاني من الأولياء ؛ فأما يحيى بن زكريا عليه السلام فقد سلك طريق الخوف بحيث يئس كلّ مدّعىّ الخوف من فلاحهم ، وأما يحيى بن معاذ فقد سلك طريق الرجاء على نحو مرّغ أيدي أدعياء الرجاء في التراب » . * نشأة شيخنا يحيى : نشأ شيخنا نشأة طيبة في بيت صلاح وتقى ، وكان له أخان : إسماعيل أكبر الثلاثة ، وإبراهيم أصغرهم ، ويحيى أوسطهم ، وكلهم كانوا زهادا ، ولم تكن ليحيى جاهلية ؛ بمعنى أنه لم يجهل في شبابه ، أو بمعنى أنه لم يكن غير مسلم فأسلم ، ولم تجر عليه كبيرة ، وكان جادا في المعاملة ورياضة النفس ، وكان لا يطيق أحد من أصحاب عبادته ولا زهده . . ويروى في هذا حادثة صغيرة تدلّ على ما كان يأخذ به نفسه في الزهد والعبادة ؛ فيروى : أن يحيى نظر إلى طاقات ريحان وضعها بعض الصبيان في حجرته ، وقد ذبلت فأتى يحيى بالماء يسقيها . . فسأله رجل : ما تصنع وقد ذبلت ؟ قال يحيى : رأيت هذا الريحان ذابلا ، قد جفّ بترك سقيه ، فاعتصر قلبي فسقيته ؛ لأن هاجت لي فيه عبرة ، وكأني رأيته يستسقينى بذبوله خاضعا . وكان أبوه وأخوه يدعوانه إلى التخفيف عن نفسه بعض الشئ والإقبال على الدنيا بعض الإقبال بما يحفظ عليه كيان جسمه ، فانتهز أخوه إشفاقه على الزهر الذابل فأنشأ يقول لأخيه يحيى : أترحم أغصانا ذبلت ولانت * ولا ترحم أخاك إذا دعاكا ؟ ! ! فقال يحيى مجيبا له : رأيت أخي يريد هلاك نفسي * ونفسي لا تريد له هلاكا ويبدو أن هذه الواقعة كانت بعد موت أخيه إبراهيم ، وكان قد خرج مع شيخنا يحيى إلى خراسان ، وتوفى في الطريق بين نيسابور وبلخ ، ودفنه هناك . * الشيخ يحيى في طريق الله : * أخرج الخطيب في جزء له في الزهد عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال : « بدأ أمرى في سياحتى حيث خرجت من الري ، فوقع في قلبي شأن المؤنة والنفقة ، فتفكّرت في نفسي ، فإذا هاتف في قلبي : أخرج ما في الجيب يعطيك من الغيب » ( كشف الخفا - ح : 641 ) . * وقد اختلف الناس بالنّسبة لشيخنا يحيى ؛ هل هو زاهد أم أنه صوفىّ ؛ فقد عدّه البعض من الزّهاد ، كما عده آخرون متصوّفا ، وحقيقة الأمر أنه بدأ زاهدا وانتهى متصوّفا مع تطور حركة التقشف في القرن الثالث الهجري وظهور التصوف كاسم ومنهج وسلوك ؛ ويذكر د . أبو الوفا التفتازاني ملاحظة نيكلسون أن بعض متأخّرى الزهاد اقتربوا من التصوف ، ولكنهم لم يخرجوا