يحيى بن معاذ الرازي
51
جواهر التصوف
اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت ؛ أنت المقدّم ، وأنت المؤخّر ، وأنت على كل شئ قدير » . * * * 63 - سقوط العبد من درجة : ادّعاؤها . » [ الحلية : 10 / 67 ] * الدّعوى كذب على الناس ، ومن ادّعى كذبا أنه وصل إلى درجة ما عند اللّه ، حجبها اللّه عنه ومقته لأنه يكذب على اللّه . . . ذكر صاحب نفحات الأنس أن رجلا قال عند يحيى بن معاذ : إن قوما يقولون نحن واصلون وليس لنا حاجة بالصلاة . فقال يحيى : قولوا لهم : أنتم واصلون إلى النار ؛ وهكذا في كل حين يمرق أناس من الدّين . . ولهم منطق غريب ؛ فيقول لك أحدهم : إنه سقطت عنه التكاليف فلا صلاة ولا صوم ولا غير ذلك من العبادات ؛ لأنه أتاه اليقين ويحتجّ بقوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . واليقين في الآية الكريمة هو الموت ، وهل هذا المدّعى خير من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي ظل يعبد اللّه حتى فاضت روحه الطاهرة إلى الملأ الأعلى في نصف نهار يوم الاثنين ، وقبلها بساعات خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى صلاة الصّبح عاصبا رأسه ، وصلّى قاعدا عن يمين أبى بكر ، ثم أقبل على الناس بعد الصلاة فوعظهم وذكّرهم . يقول السرى السقطي : « من تزيّن بما ليس فيه سقط من عين اللّه عز وجل ، ومن سقط من عين اللّه مقته ، ولا يرجى منه خير » . * * * 64 - « من خان اللّه في السّرّ ، هتك ستره في العلانية » [ الرسالة : 27 ] * يحتال بعض الناس بالدّين للوصول إلى أغراض دنيوية ؛ نحو مال ، أو جاه ، أو منصب ، أو زواج من امرأة ذات شرف أو مال ، وأحيانا لارتكاب ما حرّم اللّه ، أو نهب أموال . والوسيلة في ذلك إظهار الورع والتقوى ما دام في مشهد من الناس ، ولو ترك منفردا ما صلّى ولا صام ، إلى بقية الأساليب التي يخدع بها الناس ، ومنها خفض الصوت ، والإطراق برأسه ، ولبس البياض ، وتقصير الثياب ، وإطالة اللّحية ، والكلام في الدّين ، وإظهار السّخط وعدم الرّضا عن كلّ ما حوله ، وترديد الحوقلة والاسترجاع ليوهم الناس بتبرّمه من سلوكيّات الآخرين ، وأنه رجل صالح ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس ، فهو أهلكهم » . هذا المتظاهر بصلاحه للناس وهو على خلاف ذلك في باطنه وحياته الخاصّة بعيدا عن أعين الرقباء يخون اللّه في السّر ، وعقوبته : سيفضحه اللّه في العلانية ، فمن حديث ابن عباس رضى اللّه