يحيى بن معاذ الرازي
33
جواهر التصوف
إنتاجه ، ولم تره ، ولو رأيته لا تعرفه ، بل قد تحب بطلا من أبطال التاريخ تفصله عنك عدة قرون ، ولكنه أسرك بمواقفه الإنسانية قبل بطولاته الحربية . . والذي جمع قلبك على حبّه هو حبّك لذات الشخص وهناك حبّ آخر يربط بين النّفس وبين من يحسن إليها ، وعلى هذا جبلت النفوس . . وتختلف درجة الحب في كلا الأمرين ، للمحبوب لذاته ، وللمحبوب لإفضالاته ، حسب قيمة الذات عند الأول ، وحجم العطاء عند الثاني . * والله جل جلاله ليس كمثله شئ . . وعقول البشر تقصر - ولو اجتمعت كلّها - عن أن تحيط بكمال الله وجماله وجلاله ، كما يعجز الحاسبون عن إحصاء نعمه وآلائه . . فاللّه إذن أولى بحبّ الخلق له عما سواه . . . ويعجب ابن القيم ممّن يعرف الله ويحب غيره ، فيقول : « من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبّه ، وأن تسمع داعيه ثم تتأخّر عن الإجابة ، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره ، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له ، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته . وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصّدر بذكره ومناجاته ، وأن تذوق العذاب عند تعلّق القلب بغيره ، ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإجابة إليه . . وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه ، وأنك أحوج شئ إليه ، وأنت عنه معرض ، وفيما يبعدك عنه راغب » . ( الفوائد : 45 ) . * * * 30 - « ليس من تاه فيه كمن تاه بعجائب ما ورد عليه منه » 31 - « العيش في حبّه أعجب من الموت في حبّه » . [ طبقات السلمى : 27 ] * وصلا بالعبارة السابقة ، إن الذي يحبّ الله لذاته غير من يحبه لأعطياته وفيوضاته مما يورده عليه من نعم ؛ ومن الجحود وسوء الأدب ، الوقوف عند النعم دون السير إلى المنعم ، وعلى قدر إيمان العبد بربه يكون حبّه له ، فالناس متفاوتون في محبة الله ؛ يقول تعالى في وصف المؤمنين : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] مما يدلّ على تفاوتهم في الحب ؛ لأن المعنى أشد فأشد . * وأشدهم حبّا لله - كما في القوت لأبى طالب المكي - أحسنهم تخلقا بأخلاقه ، مثل العلم ، والحلم ، والعفو ، وحسن الخلق ، والستر على الخلق ، وأعرفهم بمعانى صفاته ، وأتركهم منازعة له في معاني الصفات ، كي لا يشركوه فيها ، مثل الكبر ، والحمد ، وحب المدح ، وحب الغنى ، والعزّ ، وطلب الذّكر ، ثم أشدهم حبا لرسوله ، إذ إنه حبيب الحبيب ، وأتبعهم لآثاره .