يحيى بن معاذ الرازي
34
جواهر التصوف
* والعيش في حبّ الله أعجب لنفس المحب من الموت في حبه ؛ لما يرى فيه من حكمة الأفعال ، وكذلك لما يرد من مشاهدات وفيوضات ؛ وإن كانت هذه الواردات تزيد من إيمانه ، ومن ثمّ من حبه لله ، إلا أنها في النهاية حظوظ نفس . * * * 32 - « لو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس شوقا ، ولو أدركت القلوب كنه هذه المحبة لخالقها ، لانخلعت مفاصلها إليه ولها عليه ، ولطارت الأوراح إليه من أبدانها دهشا ، فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء ، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأشياء » [ الحلية : 10 / 53 ] . * في مجال الترغيب صوّر الله لنا الجنة وما فيها من نعيم مقيم - من باب التقريب - بأشياء تقع تحت حواسّنا وتميل إليها النفس وتشتهيها من أشجار وأنهار وثمار وقصور وحور ، والفرق كبير فعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه من الحديث القدسي فيما يرويه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن ربه جل وعلا : « أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » ( رواه أحمد والشيخان ) ، وإن كان هذا الحديث قد سدّ الباب أمام الخيال ، إلا أنه أفسح المجال لتوقعات من الرفاهية لا يعلمها إلا الله ، هذا غير تجلى الله لعباده في الجنة يرونه كما يرون القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب . . » أليس كلّ ذلك مدعاة لحب الله وطاعته . . ! ؟ * ومن حديث أبي هريرة فيما يرويه الشيخان ، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيّارة فضلا ، يبتغون مجالس الذّكر " فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم ، وحفّ بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا ، فإذا انصرفوا عرّجوا وصعدوا إلى السماء ، قال : فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم « من أين جئتم ؟ » فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبّحونك ويكبرّونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك ، قال : « وما يسألوني ؟ » قالوا : يسألونك جنّتك ، قال : « هل رأوا جنتي ؟ » قالوا : لا ، أي رب ؛ قال « فكيف لو رأوا جنتي ؟ ! » قالوا : ويستجيرونك ، قال « مم يستجيرونى ؟ » قالوا : من نارك ، قال : « هل رأوا ناري ؟ » قالوا : لا ، قال : « فكيف لو رأوا ناري ؟ ! » قالوا : ويستغفرونك قال : فيقول : « قد غفرت لهم وأعطيتم ما سألوا ، وأجرتهم مما استجاروا » قال : يقولون : ربّ ، فيهم فلان ، عبد خطّاء ، إنما مرّ فجلس معهم ، قال : فيقول « وله غفرت ، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم » . فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه الجنة والنار وألهاهم بالوصف عنها . * * *